ونعود إلى طه حسين لنقول له : ما هكذا تورد يا سعد الإبل . كيف تصدّق أنّ عليّاً دعا لعائشة بالمغفرة وهي دعت له كذلك ، وأهدرا معاً تلك الدماء الّتي بلغت عشرات الآلاف حتى قالوا : كانت حصيلة الحرب ثلاثين ألفاً ( 1 ) ، ( وفي حديث ) جدة المعلّى أبو حاتم قالت : خرجنا إلى قتلى الجمل فعددناهم بالقصب فكانوا عشرين ألفاً ( 2 ) !
فليس المقام مقام ( عفا الله عما سلف ) وبجرّة من القلم تبادلا الدعاء بالمغفرة ، وكأنّهما كانا تلاقيا على الشوق والمحبة بعد سفر نزهة أو حج . فإنّ ذلك كله من تضبيب علماء التبرير ، لتضييع معالم الجريمة وليلبسوا الحقّ بالباطل . وكيف يخفى على مسلم آمن بالله وبرسوله ما جاء عن النبيّ ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) أنّ عليّاً مع الحقّ والحقّ معه ( 3 ) ، ومن كان على الحقّ ومع الحقّ فلا يتأتى منه إلاّ ما هو الحقّ ، وتابع عليّ يكون على الحقّ ومن ناوي عليّاً وحاربه ( 4 ) فهو على الضلال قال الله سبحانه : * ( فَمَاذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاّ الضَّلالُ ) * ( 5 ) .
هامش
( 1 ) مرآة الجنان لليافعي 1 / 97 / 33 ألفاً .
( 2 ) تاريخ خليفة ابن خياط 1 / 166 تح - أكرم ضياء العمري .
( 3 ) حديث ( عليّ مع الحقّ والحقّ مع عليّ ولن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض يوم القيامة ) أخرجه ابن عساكر في تاريخه ( ترجمة الإمام ) 3 / 120 ، وتاريخ بغداد 14 / 32 ، ومجمع الزوائد 9 / 135 .
( 4 ) حديث ( حربك حربي وسلمك سلمي ) أخرجه ابن المغازلي في المناقب / 50 ط المكتبة الإسلامية بتقديم السلم على الحرب . وذكره غير واحد بلفظ الحرب قبل السلم ، راجع مناقب الخوارزمي / 86 ط حجرية ، وميزان الاعتدال للذهبي 1 / 35 ، ولسان الميزان لابن حجر 2 / 483 ط حيدر آباد ، وشرح النهج لابن أبي الحديد 4 / 221 و 520 ط مصر الأولى ، وينابيع المودة / 81 ط إسلامبول وغيرها .
( 5 ) يونس / 32 .