التزيّد بالدعاء كان منه تخفيفاً لوقع ضرب الهودج بالرمح ، وشدّة التوبيخ بتلك الكلمة فقد قال : « ويأتي عليّ مغضباً ، ولكنه على ذلك متماسك يملك نفسه ويضبطها أشد الضبط ، فيضرب الهودج برمحه ويقول : ( كيف رأيت صنيع الله يا أخت إرم ) ؟ فتقول : يا بن أبي طالب ملكت فأسحج ، فيقول عليّ : غفر الله لك ، وتجيب عائشة : وغفر لك » ( 1 ) .
فتبادل الدعاء بالمغفرة لم يرد في رواية البلاذري وهو الّذي سبق المؤرخين إلى رواية أخت إرم - كما تقدم - فمن أين أتى طه حسين بتلك الزيادة ؟
وكيف يتم تبادل الدعاء بالمغفرة ممّن وصفه مغضباً . وأحسبه لفّق بين رواية البلاذري المشعرة بمنتهى الغضب ، وبين مرويات علماء التبرير الذين أخذوا روايات سيف اعتماداً على شيخ المؤرخين الطبري فهو الّذي رواها ، قال : « فانتهى إليها - عائشة - عليّ فقال : أي أمّه يغفر الله لنا ولكم قالت : غفر الله لنا ولكم » ( 2 ) . وهذا ما رواه ابن الأثير ( 3 ) والنويري ( 4 ) وابن كثير ( 5 ) وابن خلدون الّذي تزيّد في الرواية فقال : « وجاء إليها عليّ بن أبي طالب أمير المؤمنين مسلّماً فقال : كيف أنتِ يا أمّه ؟ قالت : بخير فقال : يغفر الله لك وجاء وجوه . . . » ( 6 ) وسيأتي مزيد بيان عن هذا الخداع والتظليل .
هامش
( 1 ) الفتنة الكبرى 2 / 53 .
( 2 ) تاريخ الطبري 4 / 534 .
( 3 ) تاريخ ابن الأثير 3 / 109 ط بولاق .
( 4 ) نهاية الإرب 20 / 79 .
( 5 ) البداية والنهاية 7 / 244 .
( 6 ) تاريخ ابن خلدون 2 / 1086 ط دار الكتاب اللبناني .