استعادت جموع المسلمين روعها ، فكرت بعد فر ، وألحقت الهزيمة بعدوها ( 57 ) .
ثم اتجه رسول الله صلى الله عليه وآله إلى الطائف آخر معاقل الشرك ، فتحصن بها
أهلها ، فحاصرهم النبي ، ثم قدر أن الطائف قد سقطت عمليا ، وأن أهلها آتوه
يوما ( 58 ) ، فعاد إلى المدينة المنورة يغمره السرور بنصر الله والفتح ، وما إن استقر
قليلا حتى بدأت الوفود تتقاطر عليه معلنة إسلامها على يديه ( 59 ) .
وخلال تلك الفترة كان النبي يتفقد ما بقي من جيوب الشرك ويرسل
سراياه وبعوثه لتطهيرها وهداية أهلها ، وارتاحت نفسه الشريفة وهو يرى أن
بلاد العرب قد توحدت أول مرة في التاريخ ، وبكلفة بشرية لا تتجاوز أربعمئة قتيل ،
وبمدة زمنية لم تتجاوز تسع سنين ، واطمأن قلبه الطاهر وهو يرى دين الإسلام
قد أصبح دينا لكل سكان بلاد العرب .
3 - أقلقت هذه الإنجازات الهائلة مضاجع قادة الدولتين العظمتين .
آنذاك خاصة الأباطرة ، وأشيع أن الروم قد حشدوا جيشا كبيرا ، فاستنفر
رسول الله المسلمين ، وجهز حملة كبرى قوامها ثلاثون ألف مقاتل ، وسار بهذا
الجيش في ظروف صعبة قرابة ( 500 ) كيلو متر حتى وصل إلى تبوك ( 60 ) ، وأخضع
دومة الجندل ، ووطد سلطان الإسلام وهيبته ، وأحجم الروم عن ملاقاته
بعد أن قذف الله في قلوبهم الرعب ، وحققت الحملة أهدافها النفسية ،
فضلا عن الكم الهائل من العبر والأسرار ، فقد جمعت غزوة تبوك الأخيار
والأشرار ، وثبت للأخيار أن الذين أجرموا يحقدون على محمد وعلى آل
محمد ، وأن النبي وآله لو فتحوا أقطار الدنيا وملكوها للمجرمين ، فلن يرضوا
عن محمد وآله ، هذا في الوقت الذي يتلفظ فيه أولئك المجرمون بالشهادتين
ويدعون الإسلام ، وأكبر دليل على ذلك الآيات القرآنية النازلة في غزوة تبوك
المواجهة مع رسول الله ( الخلاصة ) — صفحة 58
مساهمون: أحمد حسين يعقوب
ص٥٨