5 - أحدثت هزيمة المسلمين هزة في التركيبة الهشة لمجتمع المدينة وما
حولها ، وأشاع اليهود أن محمدا طالب ملك ، وأنه لم يصب نبي قط في بدنه
بهذا النحو ، وتنمر المنافقون وأخذوا يثبطون عزائم الناس ويبثون الأراجيف .
أدرك النبي صلى الله عليه وآله أن ترك الأمور على ما هي عليه دون اتخاذ إجراء
عاجل سيضاعف هزة المجتمع اليثربي ، ويكون ضربة معنوية يصعب التنبؤ بآثارها .
فأصدر أوامره بالاستعداد للخروج لملاقاة بطون قريش غدا ، وبعد صلاة الصبح نادى
مناديه : ( إن رسول الله يأمركم بطلب عدوكم ، ولا يخرج معنا إلا من شهد القتال
بالأمس ) ، وخرج المسلمون حتى وصلوا إلى حمراء الأسد فعسكروا هناك ، وكان
معسكر قريش بالروحاء ، وهول معبد الخزاعي الآمر لبطون قريش ، فأخبرهم أن
محمدا وأصحابه يتحرقون على قريش بمثل النيران ، ( وقد اجتمع حوله الأوس والخزرج
وتعاهدوا أن لا يرجعوا حتى يلحقوكم فيثأروا منكم ) .
ذهل أبو سفيان وأركان حربه من سرعة إعادة النبي لتنظيم صفوف
أصحابه ومن رده العاجل ، وأدركوا أنهم إذا اصطدموا معه في هذه الحال فسوف
يهزمهم حتما ، ومر بأبي سفيان نفر متوجهين إلى المدينة . فوعدهم بمكافأة
إذا أخبروا محمدا بأن بطون قريش قد أجمعت على الرجوع إليه ، وكان يريد بذلك
أن يضمن توقف النبي عن ملاحقته ، ثم أصدر أوامره بالعودة إلى مكة فورا ( 26 ) .
لقد كانت حركة النبي حركة بارعة ، أعادت الروح المعنوية للمسلمين ، وخطفت
بريق انتصار قريش ، فرجعت وكأنها مهزومة ، وأبلغت رسالة لليهود والمنافقين
والقبائل المحيطة بالمدينة التي كانت تنتظر من يقع حتى تنقض عليه وتأكله ، ومن
هنا أعلن تعالى رضاه عن " الذين استجابوا لله وللرسول من بعد ما أصابهم
القرح " ( 27 ) .
المواجهة مع رسول الله ( الخلاصة ) — صفحة 46
مساهمون: أحمد حسين يعقوب
ص٤٦