خليل : وما ذكره من أن المكره غير مكلف صحيح لأن أهل الأصول نصوا على أن الاكراه
الملجئ يمنع التكليف ، وأما السفيه فلقائل أن يقول لا نسلم أنه غير مكلف بالبيع . فإن
قيل : لو كان مكلفا به لزمه البيع ، قيل : يحتمل ولو قلنا : إنه مكلف بالبيع إذ لا نقول بإمضائه
للحجر فتأمله اه .
قلت : أما كون المكره على البيع غير مكلف به شرعا فصحيح لعدم وجود الرضا
المشترط في البيع ، وأما ما ذكره عن الأصوليين في مسألة الاكراه الملجئ فلا دليل فيه ،
لأن مسألة الأصوليين التي اختلفوا فيها هي امتناع تكليف المكره عقلا وجواز ذلك عقلا ،
فذهب المعتزلة إلى امتناعه عقلا ورجحه ابن السبكي في جمع الجوامع ، وذهب الأشاعرة
إلى جواز ذلك عقلا وإليه رجع ابن السبكي آخرا . وأما الشرع فأسقط التكليف بالاكراه في
كثير من المسائل منها : البيع وتوابعه ولم يسقطه في بعض المسائل ، واختلف الفقهاء في
إسقاطه للتكليف في بعض المسائل لمدارك مذكورة في محلها ليس هذا محل تفصيلها .
وأما السفيه فالظاهر أنه غير مكلف بالبيع أيضا لأن التكليف هو الالزام ، فإذا لم يلزمه البيع
فهو غير مكلف به . ويؤخذ ذلك من كلام القرافي في الفرق السادس والعشرين في الفرق بين
خطاب الوضع وخطاب التكليف ، لأن خطاب التكليف يشترط فيه علم المكلف وقدرته
على ذلك الفعل وكونه من كسبه وخطاب الوضع لا يشترط فيه شئ من ذلك وأنه يستثنى
من ذلك قاعدتان : إحداهما أسباب العقوبات كالقصاص في العقل ، والثانية أسباب انتقال
الملك كالبيع والهبة ، فإن ذلك وإن كان من خطاب الوضع فقد اشترطوا فيه علم المكلف
وقدرته على الفعل . ثم ذكر أن خطاب الوضع خطاب التكليف قد يجتمعان وقد ينفرد كل
واحد منهما . وإن مما يجتمعان فيه البيع لأنه من جهة كونه يجب أو يحرم أو يندب من
خطاب التكليف ، ومن جهة أنه سبب لانتقال الملك من خطاب الوضع انتهى . فإذا علم ذلك
فالبيع سواء كان من خطاب الوضع أو من خطاب التكليف يشترط فيه علم المكلف وقدرته ،
والسفيه غير عالم بمصالحه ، والمكره غير قادر على أن يمتنع مما أكره عليه فقد ظهر أنهما
مواهب الجليل — صفحة 37
مساهمون: الشيخ زكريا عميرات
ص٣٧