هذا الوجه أنه لا يتعرض للنظر في أمور بناته على أي حالة هو عليها كما لو كان حاضرا .
انتهى باختصار . وقال ابن الحاجب : ويعتبر في غيبة أبي البكر إلى مثل إفريقية لغير تجارة . قال
في التوضيح : واحترز بقوله لغير تجارة مما لو خرج إلى تجارة فإنها لا تزوج لأن الغالب فيها
أن يرجع عاجلا انتهى . وقال ابن عبد السلام : ومراد المؤلف بقوله لغير تجارة ما قاله في
المدونة غيبة انقطاع ، لكن فيه مسامحة لأن غير التجارة أعم من الانقطاع . ومثل ما قال في
المدونة نص عليه ابن المواز والقاضي عبد الوهاب انتهى . فعلم من هذا أن المراد بقول المصنف
وزوج الحاكم في كإفريقية ما إذا كانت غيبته غيبة انقطاع يعني أنه لا يرجى عوده بسرعة
غالبا . وليس معناه الاستيطان الذي هو السكنى بنية عدم الانتقال لأنه لا يشترط في القول
الأول . وقوله في المدونة وابن الحاجب فيمن خرج لتجارة لا تزوج ، يريد والله أعلم إذا لم تطل
إقامته كما يفهم من قوله في التوضيح ، لأن الغالب أن يرجع عاجلا ، ويفهم أيضا ذلك من
كلام عبد الوهاب الآتي والله أعلم .
الثاني : ما ذكره من أمنها تزويج في القول الأول الراجع وإن كانت نفقة الأب جارية
عليها ولم يخف عليها الصيغة . إنما ذلك إذا كانت بالغة ، أما إذا كانت دون البلوغ ونفقة
جارية عليها ولم يخف عليها الفساد فلا تزويج وهذا ظاهر ، فإن اليتيمة إذا كانت بهذه المثابة
فلا تزويج فأحرى التي أبوها حي . نعم إذا خيف عليها الفساد أو انقطعت عنها النفقة فتزوج
حينئذ قبل البلوغ وصرح بذلك اللخمي ونقله أبو الحسن عن عبد الوهاب . قال اللخمي : إذا
كان سفر الأب قريبا لم تزوج ، وكذلك إذا كان بعيدا أو أسر أو فقد وهي في حال صيانة ولم
تدع إلى التزويج ، فإن دعت إليه ولم تكن منه نفقة وهي تحت حاجة زوجت ، وإن كانت
نفقته جارية عليها وكان أسيرا أو فقيدا زوجت واختلف إذا علمت حياته ولم يكن أسيرا ،
فظاهر الكتاب أنها تزوج ، وفي كتاب محمد لا تزوج ، وإن خشي عليها الفساد زوجت ولم
تترك ، دعت إلى ذلك أم لا . والتزويج إذا كانت النفقة جارية عليها وهي بحال الصيانة إنما
يصح بعد البلوغ ، وإذا عدمت النفقة وكانت تحت الحاجة أو خشي عليها الفساد يصح وإن لم
يكن بلوغ انتهى . وقال أبو الحسن الصغير : قال عبد الوهاب : إذا غاب الأب غيبة انقطاع ، فإن
كانت حياته معلومة ومكانه معروفا إلا أن استئذانه يتعذر وهي بالغة ، فاختلف في جواز نكاحها
فقال مالك : يزوجها الامام إن رفعت إليه . وقال عبد الملك : لا يجوز إنكاحها في حياة الأب
بوجه ، وقال ابن وهب : إن قطع عنها النفقة جاز إنكاحها برضاها وإن أكرهها لم يجز . ووجه
قول مالك أن طول غيبته ضرر بها فهو كما لو عضلها انتهى .
الثالث : هذا الخلاف إنما هو إذا كانت نفقته جارية عليها . قال ابن رشد بعد حكاية
الأقوال الأربعة المتقدمة : ولا اختلاف بينهم إذا قطع الأب عنها النفقة في غيبته وخشيت
عليها الضيعة في أنها تزوج وإن كان ذلك قبل البلوغ ، وإنما اختلفوا هل يزوجها هنا
مواهب الجليل — صفحة 69
مساهمون: الشيخ زكريا عميرات
ص٦٩