مثل إفريقية والأندلس وطنجة فأقام بها فرفعت أمرها إلى السلطان ، فلينظر إليها وليزوجها . وأما
إن خرج تاجرا أو في سفر لغير مقام فلا يزوجها ولي ولا سلطان وإن أرادته الابنة انتهى .
فحمل قوله في المدونة إلى مثل إفريقية على أن المراد من مصر . واستبعد ذلك ابن عبد
السلام قال : لأن المسألة من كلام مالك في المدونة ، ويحتمل أن يريد ذلك مثل إفريقية من
المدينة انتهى . وعلى ذلك حملها الرجراجي كما سيأتي في كلامه ، وإلى هذا القسم أشار
المصنف بقوله وزوج الحاكم في كإفريقية وظهر من مصر وتأولت أيضا بالاستيطان . فصدر
بالقول الأول الذي صدر به ابن رشد وقال : إنه ظاهر المدونة والعتبية . وأشار إلى تفسير ابن
رشد المدونة بقوله : وظهر من مصر . ثم أشار إلى القول الثاني لأن ابن رشد ذكر أن المدونة
تأولت عليه . وأفاد بقوله أولا أن المدونة تأولت على الأول أيضا ، واقتصر على هذين القولين
لقوتهما عنده لأن المدونة تأولت عليهما وصدر بالأول لأن ابن رشد ضعف القول الثاني فإنه
قال في آخر شرح هذه المسألة : وأما الاعتبار بالاستيطان فلا وجه له انتهى .
تنبيهات : الأول : علم من كلام المدونة وكلام ابن رشد أن هذا الخلاف إنما هو إذا
كانت غيبة الأب عن ابنته غيبة انقطاع بمعنى أنه طالت إقامته بحيث لا يرتجى قدومه بسرعة
غالبا ، وأما من خرج لحاجة أو تجارة ونيته العود ولم تطل إقامته فلا تزوج ابنته ، وصرح بذلك
الرجراجي وابن الحاجب وغيرهما . وربما يستروح ذلك من قول المصنف وتأولت أيضا
بالاستيطان . قال الرجراجي : غيبة الأب عن ابنته البكر على وجهين : غيبة انقطاع وغيبة ارتجاع .
وغيبة انقطاع بمعنى الغلبة والاضطرار أو على معنى الترفه والاختيار . فإن كانت على معنى
الغلبة والاضطرار كالأسير ، فإن كانت البنت في حرز وتخصيص ونفقة جارية ولم تدع إلى
النكاح فلا تزوج في غيبة إذ لا يجبرها سواه ، وإن دعت إلى النكاح زوجت إن كانت بالغة ،
وإن كانت في غير حرز وتحصين أو كانت في حرز ولا كفاية ولا مؤنة معها فإنها تزوج إذا
خشي عليها الفساد والضيعة دعت إلى النكاح أم لا . وإن كانت غيبة الانقطاع على معنى
الترفه والاختيار فلا يخلو من أن تعلم حياته أو تجهل ، فإن علمت حياته وكان موضعه قريبا فلا
خلاف أنه لا يفتات عليه في إنكاح بناته ، دعون إلى ذلك أم لا ، إلا أن يتبين ضرره بهن
فيكون كالعاضل فإن الامام يتقدم إليه ، إما أن يزوجها وإلا زوجها عليه الامام . وإن كان بعيد
الغيبة كالأندلس من المدينة فالمذهب على قولين : أحدهما أنها تزوج بلا تفصيل وهو ظاهر
المدونة . والثاني أنها لا تزوج إلا أن يخشى عليها الفساد والضيعة وهو ظاهر قول مالك في
كتاب محمد . وإن جهلت حياته فظاهر المذهب الامام ينظر لها ويعقد عليها . ولمالك في
كتاب محمد أن الأخ يزوجها برضاها . وهذا الخلاف مبني على الخلاف في المفقود ، هل
حكمه حكم الحي أو الميت .
وأما إن كانت غيبة الأب غيبة ارتجاع كمن خرج لتجارة أو لطلب حاجة لا إشكال في
مواهب الجليل — صفحة 68
مساهمون: الشيخ زكريا عميرات
ص٦٨