فإن لونه مظلم وباطن ذنبه أبيض . وشبهه الشعراء مع الليل بالثوب الأسود الذي جيبه في
صدره إذا شق جيبه وبرز الصدر . ويقال الكاذب والكذاب لأنه يغر من لا يعرفه ، وتسميه
العرب المحلف كأن حالفا يحلف لطلع الفجر وآخر يحلف أنه لم يطلع . قال في الذخيرة :
وكثير من الفقهاء لا يعرف حقيقة هذا الفجر ويعتقد أنه عام الوجود في سائر الأزمنة ، وهو
خاص ببعض الشتاء . وسبب ذلك أنه المجرة فمتى كان الفجر بالبلدة ونحوها طلعت المجرة قبل
الفجر وهي بيضاء فيعتقد أنها الفجر ، فإذا باينت الأفق ظهر من تحتها الظلام ثم يطلع الفجر
بعد ذلك ، وأما في غير الشتاء فتطلع المجرة أول الليل أو نصفه فلا يطلع آخر الليل إلا الفجر
الحقيقي انتهى . ونازعه غيره في ذلك وقال : إنه مستمر في جميع الأزمنة وهو الظاهر ، ولا شك
أن ذلك الوقت من الليل فلا يحرم فيه الاكل ومن صلى الصبح فيه لم تجزه بلا خلاف .
واختلف في آخر وقتها فذكر ابن عرفة في ذلك طريقين :
الأولى : للقاضي عبد الوهاب والمازري أنه طلوع الشمس . قال ابن العربي : ولا يصح غيره .
الثانية : للأكثر وأبي عمر بن عبد البر أنه اختلف فيه على قولين : فقيل : للأسفار الأعلى ،
وقيل : طلوع الشمس ، والأول رواية ابن القاسم ، والثاني رواية ابن وهب مع قول : الأكثر .
ومقتضى كلام ابن الحاجب أن الثاني هو المشهور لتصديره به وعطفه الأول عليه بقيل قال في
التوضيح : وليس كذلك بل ما صدر به قول ابن حبيب ومذهب المدونة الاسفار . قال ابن عطاء
الله : أي الأعلى وهو قوله في المختصر . قال ابن عبد السلام : وهو المشهور . نعم يوافق كلام ابن
الحاجب ما قاله ابن العربي : الصحيح عن مالك أن وقتها الاختياري إلى طلوع الشمس . قال : وما
روي عنه خلافه لا يصح . قال ابن عطاء الله بعد كلامه : إن كان ثم وجه يلجأ إلى تأويل
كلام المدونة والمختصر وإلا فلا يمكن أن يقال في نقل المدونة : لا يصح انتهى .
تنبيهات : الأول : اختلف في تفسير الاسفار ففسره ابن العربي بما تتبين به الأشياء
وتتراءى به الوجوه ، ونقله عبد الحق عن بعض المتأخرين وفسره الشيخ أبو محمد بما إذا تمت
الصلاة بدأ حاجب الشمس ، وقاله عبد الحق . وقال في التنبيهات : الاسفار البيان والكشف وهو
يقع أولا على انصداع الفجر وبيانه ، وعليه يحمل قوله عليه الصلاة والسلام : أسفروا بالفجر
فإنه أعظم للاجر أي صلوها عند استبانة الصبح والأول ظهوره لكم . والاسفار الثاني هو
قوة الحمرة والضياء قبل طلوع الشمس وذلك آخر وقتها الذي ليس بعده إلا ظهور قرص
الشمس ، وقد اختلف هل هو وقت أدائها أو وقت ضرورة ؟ انتهى .
مواهب الجليل — صفحة 34
مساهمون: الشيخ زكريا عميرات
ص٣٤