يزال الله تعالى مقبلا على العبد وهو في الصلاة ما لم يلتفت أعرض عنه
وأطلق المصنف هنا رحمه الله في كراهة الالتفات وقيد ذلك في فصل السهو بكونه لغير
حاجة ، وإن كان كلامه هناك ليس فيه التصريح بكراهته لكنه لما قرنه مع الأشياء المكروهة
دل ذلك على أنه منها ، فيحمل كلامه المطلق هنا على ما ذكره في فصل السهو . قال
البراذعي في تهذيبه : ولا يلتفت المصلي فإن فعل لم يبطل ذلك صلاته . قال صاحب الطراز :
قوله : لا يلتفت لم يقله مالك في الكتاب ولا ابن القاسم وإنما جرى في حديث رواه ابن
وهب عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال : ما التفت عبد في صلاته قط إلا قال الله تعالى :
أنا خير لك مما التفت إليه والمذهب لا يؤخذ من الحديث لأن الحديث له وجه ومعنى
والالتفات على ضربين : مباح ومكروه . فما كان للحاجة فمباح لحديث أبي بكر رضي الله
عنه حيت التفت في الصلاة فرأى النبي ( ص ) فتأخر وقال ( ص ) : من نابه شئ في صلاته
فليقل سبحان الله فإنه لا يسمعه أحد حين يقول سبحان الله إلا التفت إليه وفي حديث
أبي داود عن سهل بن الحنظلية قال : ثوب بالصلاة يعني الصبح فجعل النبي ( ص ) يصلي
وهو يلتفت إلى الشعب وكان أرسل فارسا إلى الشعب من الليل يحرس . وأما الالتفات لغير
ضرورة فمكروه وذكر ما ذكرنا من الأحاديث في النهي عنه ثم قال :
فرع : قال في المختصر : ولا بأس أن يتصفح بخده ما لم يلتفت لما روى ابن عباس أنه
عليه الصلاة والسلام كان يلحظ في الصلاة ولا يلوي عنقه خلف ظهره رواه الترمذي . وروى
النسائي أنه كان يلتفت يمينا وشمالا ولا يلوي عنقه . والحديثان ضعيفان إلا أن النظر يصحح
ذلك فإنه إنما عليه أن يتوجه إلى القبلة فإن لم يخل ذلك باستقباله لم يكن به بأس انتهى .
قلت : ظاهر كلام صاحب الطراز أن التصفح جائز لغير ضرورة ، والظاهر أن ذلك إنما
هو للضرورة ، وأما لغير ضرورة فهو من الالتفات إلا أن الالتفات يتفاوت ، فالتصفح بالخد أقرب
وأخف من لي العنق ، ولي العنق أخف من الالتفات بالصدر . ثم قال في المدونة : قيل لابن
القاسم : فإن التفت بجميع جسده ؟ قال : لم أسأل مالكا عن ذلك وذلك كله سواء . واختصر
ذلك البراذعي فقال : ولا يلتفت المصلي فإن فعل لم يقطع ذلك صلاته وإن كان بجميع
جسده . قال الحسن : إلا أن يستدبر القبلة . قال أبو الحسن الصغير : قوله : وإن كان بجميع
جسده زاد في الأمهات ورجلاه إلى القبلة . وقوله : قال أبو الحسن : إلا أن يستدبر القبلة
يريد أو يشرق أو يغرب وهو تفسير انتهى . ونقله ابن ناجي عنه وعن إبراهيم وقبله وقال
مواهب الجليل — صفحة 259
مساهمون: الشيخ زكريا عميرات
ص٢٥٩