الثالث : علم من كلام المصنف أن المعتبر في سلب الطهورية إنما هو تغير أحد أوصاف
الماء لا مجرد مخالطة الماء لغيره ، فلو وقع في الماء جلد أو ثوب وأخرج ولم يتغير الماء لم يضره
وقاله في المدونة . قال في الطراز : وكذلك لو غمس فيه خبز وأخرج في الحين أو بل فيه شئ
من الحبوب ولم يغيره قال : والعلة تغير أحد أوصاف الماء انتهى مختصرا ، وهذا هو المعروف في
المذهب . وحكى في الطراز عن أصبغ أنه لا يتوضأ بماء بل فيه شئ من الطعام أو غسل به
ثوب طاهر أو توضأ به ، سواء تغير الماء أو لم يتغير . فإن توضأ به وصلى أعاد أبدا ذكره في
باب أحكام المياه في موضعين .
الرابع : ما ذكره المصنف من اعتبار تغير الرائحة هو المشهور في المذهب كما صرح به
ابن عرفة وغيره . وقال ابن الماجشون : إن تغير الريح غير معتبر . قال ابن ناجي في شرح المدونة .
وهو ظاهر المدونة يعني حيث لم يذكر فيها تغير الريح وهو ظاهر الرسالة أيضا ، فإنه لم يذكر
فيها تغير الريح . وذكر ابن عرفة عن ابن رشد قولا ثالثا يفرق فيه بين التغير الشديد والخفيف ،
وعزاه لسحنون أخذا من قوله : من توضأ بما تغير بما حل فيه تغيرا شديدا أعاد أبدا . قال ابن
ناجي في شرح الرسالة : وهذا الكلام يتناول الطعم واللون إذ ليس في كلام سحنون ما يدل
على خصوصية الريح انتهى . قال ابن عرفة : وقول ابن رشد أن ابن الماجشون ألغى تغير الريح
مطلقا يناقض قوله في موضع آخر : إذا أنتن الماء واشتدت رائحته فنجس اتفاقا انتهى .
قلت : كلام ابن رشد الثاني في أواخر سماع أشهب من كتاب الوضوء . قال ابن عرفة :
وقول عياض : أجمعوا على نجاسة ما غير ريحه نجاسة بعيد انتهى .
قلت : هذا نحو كلام النووي المتقدم ، واستشكل بعض أشياخ ابن بشير قول ابن
الماجشون حتى حمل قوله على التغير بالمجاورة ، وتبعه على ذلك خلق كثير منهم ابن الحاجب
فقال : ولعله قصد التغير بالمجاورة . قال ابن الإمام : وهذه غلطة عظيمة فقد حكى عنه أبو زيد
في الثمانية أن وقوع الميتة في البئر لا يضر وإن تغيرت رائحته حتى يتغير لونه أو طعمه . وصرح
اللخمي والمازري بأن خلافه مع تغير الرائحة بما حل في الماء وخالطه انتهى . وذكر المنصف
نحو هذا في التوضيح والله أعلم .
الخامس : إذا وقع في الماء نجاسة ولم تغيره ثم حل فيه ما هو طاهر كاللبن ونحوه فغيره
فهو طاهر على المستحسن من المذهب ، وإن تقدمت الإضافة ثم حلت فيه نجاسة كان نجسا
لأن الماء المضاف والمائعات لا تدفع عن نفسها . قاله اللخمي ونقله البساطي في المغني والشبيبي
في شرح الرسالة ، ولم يذكروا فيه خلافا وكأنه أراد بأول كلامه الماء اليسير إذا حلته نجاسة ولم
تغيره فلذلك قال على المستحسن من المذهب ، وأما لو كان الماء كثيرا فإنه طاهر بلا خلاف
والله أعلم .
مواهب الجليل — صفحة 84
مساهمون: الشيخ زكريا عميرات
ص٨٤