من كلام القرافي أن القول الأول قول مالك . وقال في كتاب الأمنية : قال المازري في شرح
التلقين : أكثر الفقهاء وأقل الفلاسفة على أن العقل في القلب ، وأكثر الفلاسفة وأقل الفقهاء
على أنه في الدماغ ، ، محتجين بأنه إذا أصيب الدماغ فسد العقل وبطلت العلوم والفكر
وأحوال النفس . وأجيب بأن استقامة الدماغ لعلها شرط والشئ يفسد لفساد شرطه ، ومع
الاحتمال فلا جزم بل النصوص واردة بأن ذلك في القلب وذكر الآيات . ثم قال : وإذا تقرر
أن العقل في القلب لزم على أصولنا أن النفس في القلب لان جميع ما ينسب للعقل من
الفكر والعلوم صفات للنفس فتكون النفس في القلب عملا بظاهر النصوص . وقد قال بعض
العلماء : إن النفس هي الروح وهي العقل تسمى نفسا باعتبار ميلها إلى الملاذ والشهوات ،
وروحا باعتبار تعلقها بالجسد تعلق التدبير بإذن الله تعالى ، وعقلا باعتبار كونها محصلة
للعلوم فصار لها ثلاثة أسماء باعتبار ثلاثة أحوال والموصوف واحد . وإذا كانت النفس في
القلب كانت النية وأنواع العلوم وجميع أحوال النفس في القلب ، والعبارة التي ذكرها في
كتاب الأمنية عن المازري لم أرها في شرح التلقين في الكلام على النية ، وإنما رأيت العبارة
التي ذكرها المصنف في التوضيح ونقلها في الذخيرة ، ولعل العبارة الأخرى ذكرها المازري
في غير هذا الموضع . وزاد المازري بعد ذكره القولين : وهذا أمر لا مدخل للعقل فيه وإنما
طريقه السمع ، وظواهر السمع تدل على صحة القول الأول . وذكر ابن رشد نحو ما تقدم
ثم قال : والتحقيق أن الجسم قالب للنفس هي فيه كالسيف في الغمد ، وكالسلطان الجالس
بقبته ، والقلب سرير والدماغ كرسيه ، وجعل الله تعالى في الرأس عشر حواس : خمسا
ظاهرة : العين والاذن والشم والذوق واللمس ، ويشاركه في هذا سائر البدن . وخمسا باطنة
هي : الحس المشترك ومركزه مقدم الدماغ والقوة المصورة وهي أعلى منه والقوة الخيالية وهي
في وسط الدماغ - والقوة الحافظة في مؤخر الدماغ والقوة الوهمية - أعلى منها - والحواس
الظاهرة توصل للباطنة وهي توصل للنفس ، والمحرك للحواس هو القلب اللحماني والنفس
والروح بمعنى .
تنبيه : ينبني على هذا الخلاف مسألة من الجراح وهي من شج في رأسه مأمومة أو
موضحة خطأ فذهب عقله ، قال في المقدمات : فله على مذهب مالك دية العقل ودية المأمومة
أو الموضحة ، لا يدخل بعض ذلك في بعض إذ ليس الرأس عنده محل العقل وإنما محله في
مذهب مالك القلب ، وهو قول أكثر أهل الشرع فهو كمن فقأ عين رجل وأذهب سمعه في
ضربة ، وعلى مذهب ابن الماجشون إنما له دية العقل لان محله عنده وعند أبي حنيفة الرأس
وهو مذهب أكثر الفلاسفة ، وهو كمن أذهب بصر رجل وفقأ عينه في ضربة وهذا في الخطأ ،
وأما في العمد فيقتص منه من الموضحة فإن ذهب عقل المقتص منه فواضح ، وإن لم يذهب
فدية ذلك في مال الجاني وفي المأمومة له ديتها ودية العقل .
مواهب الجليل — صفحة 334
مساهمون: الشيخ زكريا عميرات
ص٣٣٤