وكان حقها التقديم كما فعل ابن الحاجب وابن عرفة وغيرهما ، وإنما أخرها المصنف لطول
الكلام عليها . والمذهب أنها فرض في الوضوء . قال ابن رشد في المقدمات وابن حارث اتفاقا ،
وقال المازري على الأشهر ، وقال ابن الحاجب على الأصح قال في التوضيح : لقوله تعالى :
* ( وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين ) * ( البينة : 5 ) وقوله عليه الصلاة والسلام إنما
الأعمال بالنيات خرجه البخاري ومسلم انتهى . قال الشيخ تقي الدين : وآخر الحديث أيضا
نص في وجوبها من أوله وهو قوله فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله
ورسوله ، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها ، فهجرته إلى ما هاجر إليه . واستدل
أيضا بقوله تعالى : * ( إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم ) * ( المائدة : 6 ) لأنه وجه
الاستدلال ، وأن الله تعالى أمر بالوضوء لأجل الصلاة ولا معنى للنية إلا فعل أمر
لأجل فعل أمر آخر ، وبقوله ( ص ) : الطهور شطر الايمان والشطر هنا النصف ، ولا خلاف في وجوبها في
الايمان ولذا وجبت في الكل وجبت في الشطر ، ومقابل الأشهر والأصح رواية الوليد بن مسلم
عن مالك بعدم الوجوب ، حكاها ابن المنذر والمازري نصا في الوضوء . قال المازري وابن بشير :
ويتخرج في الغسل قال في التوضيح : وفي التخريب نظر لان التعبد في الغسل أقوى انتهى .
ومنشأ الخلاف أن في الطهارة شائبتين ، فمن حيث إن المطلوب منها النظافة تشبه ما صورته
كافية في تحصيل المقصود منه كأداء الديون فلا يفتقر إلى نية ، ومن حيث ما شرط فيها من
التحديد في الغسلات والمغسول والماء أشبهت التعبد فافتقرت إلى النية . وقال ابن فرحون :
واعترض على ابن الحاجب في قوله على الأصح لأنه يقتضي أن مقابله صحيح وهذا القول
شاذ في غاية الضعف ، فكان ينبغي أن يقول على المشهور . وأجيب بأنه قد يطلق الأصح على
المشهور .
تنبيه : الكلام على النية طويل متشعب ، وقد صنف القرافي رحمه الله كتابا يتعلق بها
سماه الأمنية في إدراك النية وهو كتاب حسن مشتمل على فوائد ، وقد أشبع الكلام عليها
في الذخيرة أيضا في باب الوضوء ، وجعل كتابه المذكور مشتملا على عشرة أبواب : الأول :
في حقيقة النية . الثاني : في محلها من المكلف . الثالث : في دليل وجوبها . الرابع في حكمة
إيجابها . الخامس : فيما يفتقر إلى النية . السادس : في شروطها . السابع : في أقسام النية .
الثامن : في أقسام المنوي . التاسع : في معنى قول الفقهاء المتطهر ينوي رفع الحدث . العاشر :
مواهب الجليل — صفحة 332
مساهمون: الشيخ زكريا عميرات
ص٣٣٢