مطهر ، وكذلك يكره له أن يغتسل في بئر قليلة الماء فإن كانت كثيرة الماء فلا بأس انتهى . بل
لا كراهة فيه إذا لم يجعل الجرة والزير والحوض من الكثير كما مشى عليه المصنف . وفي
العمدة لابن عسكر نحو ما في الجلاب ونصه في المكروهات وانغمس فيه جنب انتهى .
فإن قلت هذا الذي ذكرته مخالف لاطلاق المصنف . قلت : أما المستبحر الكبير فلا
إشكال في خروجه من كلامه ، وأما ما عداه فيدخل في إطلاق كلامه ، ولا منافاة بينه وبين
ما تقدم لأنا إن حملنا قول المصنف : يغتسل فيه على أن مراده أنه يتكرر الاغتسال فيه ، وإذا
كان كذلك فلا إشكال في الكراهة لأنه يسرع إليه التغير ولا يفطن به ولا يسلم غالبا من
اغتسال جنب أو غسل نجاسة . وقد ذكر في البيان أنه يكره الاغتسال من ماء الحمام لكونه
يسخن بالأقذار والنجاسات ولاختلاف الأيدي فيه ، فربما يتناول أخذه بيده من لا يتحفظ
لدينه ، فإذا كره ذلك لاختلاف الأيدي فما بالك بما يكثر فيه الاغتسال . ولما يخشى من سرعة
التغير ولو لم يظهر . بل قال ابن القاسم في آخر سماع أبي زيد في حياض الريف التي يغتسل
فيها النصارى والجنب : لا يتوضأ منها ولا يجيز لاحد الغسل فيها لأنها نجسة . قال ابن رشد :
هذا صحيح لما يغلب على الظن من حصول النجاسة الكثيرة فيه وإن لم يتبين تغير أحد أوصافه
من ذلك انتهى . ومثل هذا في الواضحة ، ولمالك في رسم حلف لا يبيع سلعة سماها من
سماع ابن القاسم في بعض الروايات من هذا الكتاب . وقال قبله في حوض الحمام : وإنما حكم
بنجاسته لكثرة المنغمسين فيه ، إذ يبعد أن تكون أجسامهم جميعها طاهرة ولم يذكر في ذلك
خلافا .
قلت : وهذا على أصل ابن القاسم أن الماء اليسير ينجسه قليل النجاسة ولو لم يغيره ،
وعلى قوله أيضا : إن مثل الحوض يسير وقول ابن رشد هذا صحيح أي على مذهب ابن
القاسم ، وأما على قول مالك فينظر إلى الماء فإن تغير أحد أوصافه فهو غير طهور ، وإن لم يتغير
شئ من أوصافه فهو طهور لأنه يكره استعماله لكثرة المغتسلين فيه . والغرض من ذكر كلام
ابن رشد بيان أن كثرة المغتسلين في الماء توجب غلبة الظن بنجاسته وإن لم يتغير عند من يقول
بالنجاسة ، والظاهر أن ذلك يقتضي كراهته على المشهور . وعلى هذا المعنى حمل البساطي
كلام المصنف إلا أنه لم يقيده بكونه يتكرر فيه الاغتسال . واعترضه بأنه لم يره منصوصا فيقيد
كلام المصنف بأن لا يكثر الاغتسال فيه جدا وبأن يكون من يغتسل فيه غير نجس الأعضاء
وإلا أفسده والله أعلم .
فرع : البرك المعدة للوضوء في المياضي من هذا القبيل إن تغير أحد أوصاف الماء فلا
يصح الوضوء بها ، وإن لم يتغير فيكره الوضوء منها لاختلاف الأيدي والأرجل ، والغالب أن
فيها النجاسة ، وإن تحقق غسلهم النجاسة فيها وكثرته لم يجز الوضوء منها ، وهذا فيما تطول
مواهب الجليل — صفحة 105
مساهمون: الشيخ زكريا عميرات
ص١٠٥