كان يسيرا ، وبما يستر مثله من اللباس وإن كان خلقا ، فبالصبر على ضيق العيش
تنال سعة العلم ، ويجمع شمل القلب عن مفترقات الآمال ، ليتفجر عنه ينابيع
الحكمة والكمال .
قال بعض السلف 1 : لا يطلب أحد هذا العلم بعز النفس فيفلح ، ولكن من
طلبه بذل النفس وضيق العيش وخدمة العلماء أفلح .
وقال أيضا : لا يصلح طلب العلم إلا لمفلس . فقيل : ولا الغني المكفي .
فقال : ولا الغني المكفي 2 .
وقال آخر : 3 لا يبلغ أحد من هذا العلم ما يريد حتى يضربه الفقر ، ويؤثره على
كل شئ .
وقال بعضهم : 4 لا ينال هذا العلم إلا من عطل دكانه ، وخرب بستانه ، وهجر
إخوانه ، ومات أقرب أهله فلم يشهد جنازته .
وهذا كله وإن كان فيه مبالغة ، فالمقصود به أنه لا بد فيه من جمع القلب
واجتماع الفكر . وبالغ بعض المشايخ فقال لبعض طلبته : اصبغ ثوبك حتى
لا يشغلك فكر غسله . 5 ومن هنا قيل : العلم لا يعطيك بعضه حتى تعطيه كلك . 6
الرابع : أن يترك التزوج حتى يقضي وطره من العلم ، فإنه أكبر شاغل
هامش
1 - هو الشافعي كما في " المحدث الفاصل " / 220 و " الفقيه والمتفقه " ج 2 / 93 ، و " جامع بيان العلم وفضله "
ج 2 / 117 و " تدريب الراوي " ج 2 / 141 - 142 و " تذكرة السامع " / 71 - 72 ، و " فتح الباقي " ج 2 / 224 ،
و " شرح المهذب " ج 1 / 59 .
2 - " الفقيه والمتفقه " ج 2 / 94 ، " تذكرة السامع " / 72 ، " فيض القدير " ج 6 / 175 ، " شرح المهذب " ج 1 / 59 .
وراجع أيضا " حلية الأولياء " ج 9 / 119 .
3 - هو مالك بن أنس ، كما في " الفقيه والمتفقه " ج 2 / 92 ، و " تذكرة السامع " / 72 ، " شرح المهذب " ج 1 / 59 .
4 - نقله الخطيب البغدادي عن بعضهم في " الجامع لأخلاق الراوي وآداب الواعي [ أو السامع ] كما في " تذكرة
السامع " / 71 .
5 - " تذكرة السامع " / 71 . قال الذهبي في ترجمة شعبة بن الحجاج : " وكانت ثيابه لونها كالتراب " ( " تذكرة
الحفاظ " ج 1 / 194 ) .
6 - قاله الخليل بن أحمد ، كما في " محاضرات الأدباء " ج 1 / 50 . ونسب إلى القيل في " الذريعة إلى مكارم
الشريعة " / 117 ، و " ميزان العمل " / 116 .