تقليد الأحياء في الغالب إذ قل ما يتفق أن يعلم بالأعلمية في الأحياء حتى بالنسبة إلى الأموات فالإجماع على وجوب تقليد الأعلم في الأحياء دليل على أن الأموات لا عبرة بأقوالهم قال الشهيد في رسالته المعمولة في المسألة لو صح جواز تقليد الميت يلزم من ذلك التزام شنيع وهو أنه يتعين الرجوع حينئذ إلى الأعلم من الأحياء والأموات عملا بما قررناه من القاعدة فلو فرض مجتهد حي يعلم قصور رتبته عن بعض من سلف من الفقهاء الأموات ولكن ليس في العصر سواه أو فيه غيره ولكنه أعلم الأحياء يلزم على هذا عدم جواز الرجوع إليه والأخذ بقوله لوجوب تقليد الأعلم والفرض أن بعض الأموات أعلم منه وأن قولهم معتبر وهذا خلاف الإجماع لا يقال هذا الفرض منفي بالإجماع على خلافه فبقي الكلام فيما لا إجماع فيه عليه فإن مثل ذلك كاف في تخصيص العام والتمسك بما عدا المخرج بالدليل لأنا نقول هذا باطل محال لزم من جواز تقليد الميت من حيث اتفق أو على وجه مخصوص وكل حكم لزم منه فهو محال فيكون جواز تقليد الميت على ذلك الوجه محالا وبه يتم المطلوب أقول لمانع أن يمنع لزوم ذلك من تقليد الميت فلعله ناش من لزوم تقليد الأعلم إلا أنه خلاف الإنصاف لأن وجوب تقليد الأعلم عندهم مفروغ عنه فالإجماع المحكي على وجوب تقليد الأعلم لا بد من تخصيصه بالأحياء على وجه يظهر منه عدم الاعتداد بتقليد الأموات فيكون هذا الإجماع مثل الإجماعات المنقولة على عدم جواز تقليد الميت إلا أنهما مختلفان بالصراحة والظهور السادس ما تمسك به المحقق المذكور أيضا من أن المجتهد إذا تغير اجتهاده وجب العمل بالآخر ولا يعلم الأخير في الميت وفيه أنه إن أريد أنه لا يمكن العلم بالتقديم والتأخير في الميت على وجه الإطلاق فهو غير سديد ضرورة إمكان العلم بذلك في كثير من الموارد كما أنه إذا علم تأخير تأليف الكتاب الموجود فيه الفتوى ونحوه وإن أريد أنه قد لا يمكن ذلك فهو لا ينهض مانعا من التقليد فإن الحي قد لا يمكن العلم بذلك في فتواه أيضا وطريق الحل فيهما واحد وهو عند عدم إمكان العلم أو ما يقوم مقامه بالتعيين إما أن يكون متمكنا من الرجوع إلى فتوى لا معارض لها من ذلك المفتي فلا بد من الرجوع إليه وإلا كان مخيرا بحكم العقل ومنه يظهر الجواب عما أورده الشهيد الثاني رحمه الله من أن كثيرا من الفتاوي المنقولة من الكتب غير مستند إلى أحد من المجتهدين فلعل المفتي بها ليس مجتهدا فإن انحصار المانع في أمثال هذه المواقع دليل على الجواز على تقدير تسليم وجودها مع أن الظاهر أن أحدا من أرباب الكتب المتداولة لا ينسبون القول إلى من ليس مجتهدا لا يقال إن تعيين المفتي من الشروط لأنا نقول لا دليل على ذلك كما يبين في محله ثم إنهم قد ذكروا وجوها أخر كلها مزيّفة والعمدة في المقام هو الوجهان المقدمان وهو الهادي إلى سبيل الرشاد
هداية في ذكر احتجاج المجوزين
وهي كثيرة لا تحصى أقواها أمور منها العقل والكتاب والسنة والإجماع أما الأول فتقريره من وجوه أحدها ما عول إليه المحقق القمي رحمه الله ومحصّله أن رجوع العامي إلى المجتهد ليس تعبّدا كما يومي إليه تعليلهم في وجوب الأخذ بالأعلم بأن الظن في طرفه أقوى مضافا إلى أنه لا دليل على التعبد أما السيرة والإجماع فلا جدوى فيهما أما الأولى فلأن السلف المعاصرين للإمام كان باب العلم في حقهم مفتوحا وعملهم إنما هو بعلمهم وأما الإجماع فهو موهون بذهاب فقهاء حلب على وجوب الاجتهاد عينا وإنكار جملة من أصحابنا الأخباريين للتقليد مما لا يقبل الإنكار فأين الإجماع بل التقليد اعتباره في حق العامي إنما هو بواسطة الظن الثابت اعتباره بعد الانسداد على وجه العموم والكلية بالبرهان العقلي ولا فرق بين الظن الحاصل من قول الحي وغيره كما هو قضية ضرورة العقل فمناط العمل بقول الحيّ موجود في قول الميت بل ربما يكون الظن الحاصل من قول الميت أقوى وبالجملة فلا فرق بين المجتهد والمقلد في جواز العمل بالظن فإن المسوغ للمجتهد هو موجود بعينه في حق المقلد فلو دار أمره في الفروع بين حي وميت وحصل له الرجحان في أن متابعة ذلك الميت أقرب إلى حكم اللَّه يجب اتباعه بل وكيف يجوز للعالم الذي لا يجوز ذلك منعه عنه إذا لم يحصل من قوله الظن بعدم الجواز وعلى تقدير حصوله فلا يوجب ارتفاع الظن في المسألة الفرعية فيدور الأمر بينهما ومن هنا يظهر أنه لا وجه للقول بأن الإجماع المنقول والشهرة المحققة كل منهما أمارة ظنية على عدم جواز الاعتماد على الميت في الفروع إذ بعد تسليم إمكان انعقاد الإجماع في مثل هذه المسألة التي لم تكن متداولة في زمان المعصوم وإفادة المنقول منه كالشهرة الظن لا ترجيح لهذا الظن بالنسبة إلى الظن الحاصل في المسألة الفرعية لو لم نقل بأن الظن بالواقع أقوى لأن المقصود هو الوصول إلى الواقع أقول فيه وجوه من النظر أمّا أولا فلأن منع السيرة استنادا إلى انفتاح باب العلم في حق الموجودين في زمان الأئمة عليهم السلام مما لا يصغي إليه فإنه إن أراد من الانفتاح إمكان الوصول لهم إلى الأحكام الواقعية علما فهو مما لا سبيل إلى إثباته بل المنصف يقطع بخلافه ضرورة وإن أراد ما هو الأعم من العلم ومن الأمارة المعلومة الاعتبار فهو حق لكنه ينهدم معه بنيان الكلام إذ ليست تلك الأمارة إلا قول العالم للجاهل وفتواه في غير مورد الرواية المنقولة لفظا ومعنى وأما منع الإجماع بخلاف الحلبيين والأخباريين فليس في محله لانقطاع الأول وقد عرفت أن إنكار الأخباري إنما هو بواسطة حسبانه أن الفتوى أمر مغاير لما هو جائز عنده ولذلك لو لم يكن الفتوى مبنية على الإنظار الدقيقة التي ما جعل اللَّه لهم في ذلك حظا ونصيبا لا نراهم مانعين منه وبالجملة فجواز تقليد العامي في الجملة معلوم بالضرورة للعامي وغيره وليس علم العامي بوجوب الصلاة في الجملة أوضح من علمه بوجوب التقليد مع اتحاد طريقهما في حصول العلم من مسيس الحاجة وتوفر
مطارح الأنظار — صفحة 257
مساهمون: الشيخ الأنصاري
ص٢٥٧