فإن فرض وجود المناط في قول معلوم النسب فهو أيضا باطل ولا ينافي المطلوب وإن لم يكن المناط موجودا فلا وجه للنقض لعدم الاشتراك حينئذ وأما ما أورده من حديث الجرح والتعديل وقبول شهادته بعد الموت فإن أراد المعارضة بنفس قبول الشهادة مع قطع النظر عن إعمال فتواه في الشهادة فعلى التقريب الثاني فهو مما لا يرتبط بالمقام وعلى الأول فالفرق بين الشهادة والفتوى هو أن المناط في الشهادة موجود بعد الموت مثل الرواية بخلاف الفتوى فإن الكلام في ذلك وإن أراد أن قبول شهادته يوجب الاعتماد على قوله في عدد الكبائر وفيما هو مناط التعديل من الملكة وحسن الظاهر إلى غير ذلك من الأمور الاجتهادية ففيه أن التعويل على شهادته في الجرح والتعديل ليس اعتمادا على مذهبه في عدد الكبائر بل إنما هو بواسطة أن الألفاظ الواردة في مقام الشهادة تحمل على الواقع من غير ملاحظة مذهب الشاهد نعم لو علم أن الجرح إنما هو بواسطة شيء مبني على مذهبه فعند المخالفة لمذهب المجتهد لا نسلم وجوب الأخذ بشهادته في الجرح والتعديل ثم إن بعض الأجلة اعترض على الدليل بعد النقض بمعلوم النسب إن عدم الاعتداد بقوله في تحقق الإجماع لا يلازم عدم الاعتداد به في مقام التقليد وفيه أنه لا مساس له بكلام المستدل على الثاني وعلى الأول فيمكن ادعاء الأولوية أو عدم القول بالفصل فتأمل الرابع أن الحجة في حق المجتهد والمقلد أمر واحد فإنه نائب عنه في فهم النتائج المستفادة من الأدلة التي هي موارد التقليد والبناء على القواعد والفحص عن المعارضات والترجيح بينهما ومن المعلوم أن المعتبر في حق المقلد ليس قوله وفتواه بل إنما هو سبيل في الوصول إلى ما هو المعتبر في حقه وهو فهمه وظنه والإدراكات المتعلقة بالقوى المتعلقة بالبدن لا تبقى بعد خراب البدن فيرتفع ما هو الحجة بعد الموت فلا وجه للاعتماد على قول الميت وهو المطلوب أما المقدمة الأولى وهي اتحاد الحجة فظاهرة فإن مجرد القول ولو عند انتفاء الظن وزواله بواسطة زوال الملكة لهرم أو نحوه لا يكون منعا لعمل المقلد بل لا بد من مقارنته للظن الفعلي في حقه بل لو اطلع على ظن المجتهد بدون توسط القول كان ذلك حجة له ومناطا لعمله ولا ينافي ذلك عدم الالتفات إليه بواسطة عروض غفلة وذهول حاصل حال الإغماء والنوم ونحوه لوجود الظن في تلك الحالة في الخزانة وأما المقدمة الثانية فاستدل الوحيد البهبهاني عليها بأن الظن هي الصّورة الحاصلة في الذهن ولا يبقى تلك الصّورة حال النزع لشدته وكثرة الاضطراب الواقع فيه بل ولا تبقى حال النسيان والغفلة أيضا فما ظنك بما بعد الموت حيث صار الذهن جمادا لا حس فيه أقول وهذا الاستدلال مبني على أن يكون الذهن جزء من البدن ويكون الصّورة العلمية محفوظة فيه على وجه لو حاول النفس إدراك تلك الصّورة والالتفات إليها كان الذهن وسيلة في نيلها إليها وهو غير معلوم لا وجدانا ولا برهانا بل المعقول عندنا هو أن الذهن قوة من قوى النفس الناطقة بها يدرك المعلومات وليس من أجزاء البدن فخراب البدن وانقطاع الروح منه لا يلازم ارتفاع الصور العلمية ولا نضايق من القول بأن تعلق النفس بالبدن العنصري له دخل في حصول الإدراكات والملكات في هذه النشأة إلا أن ذلك لا يوجب القول بزوال تلك الإدراكات عند انخلاع النفس وخروجها من البدن إذ يحتمل أن يكون ذلك معدّا وانتفاء المعدّ لا يوجب انتفاء المعلول كيف والقول به على وجه الإطلاق يوجب القول بما لا أظن أن يلتزم به أحد وهو زوال الصّور العلمية الثابتة للنفس في هذه النشأة مع أن المقصود الأصلي من الإيجاد ربما يكون تحلية النفس بالصور العلمية من المعارف والاعتقادات الحقة فإنها كمال لقوتيها النظرية والعملية أما الأولى فظاهر وأما الثانية فلأن تحصيل الملكات الفاضلة وتجريد النفس عن الصفات الرذيلة موقوف على الصور العلمية كما لا يخفى ولو سلم فتلك الملكات أيضا في عرض الصور العلمية فإنها أيضا من الأعراض الحالة في الحيوان الناطق في الظاهر فانقطاع الروح كما يقضي بارتفاع الأولى يقتضي بارتفاع الثانية أيضا مع أن ذلك ظاهر الفساد اللَّهم بالقول بالفرق بين الظنون الحاصلة من النظر والعلوم التي يقتضيها الفطرة الإلهية التي فطره اللَّه عليها وهو كما ترى لا يساعده دليل ولا يوافقه اعتبار فإن
النفوس الإنسانية في بدو الفطرة قبل حدوث العلقة بينها وبين أبدانها كما صرح به غير واحد من أرباب المعقول والمنقول ونطقت به الآثار المعصومية خالية عن جميع الصور العلمية ضرورية كانت أو نظرية علمية أو ظنية ثم بواسطة قواها الظاهرة والباطنة يتحلى بالعلوم الأولية المستتبعة للعلوم النظرية إلى أن يصل إلى حدّ يكون في ذلك الحد عقلا بالفعل فكل العلوم التي أفيض عليها من المبدإ الفياض إنما هي حادثة بعد تعلق النفوس بالأبدان في هذه النشأة ولهذا كانت مزرعة للنشأة الآخرة وبالجملة فنحن لا نسلم أن محال هذه الأعراض هي الأجسام الحيوانية بل يحتمل احتمالا قويا أن يكون النفس محلا لها والمفروض بقاء النفس بعد خراب البدن فلا يلزم بقاء العرض مع ارتفاع الموضوع وهو الحيوان الناطق فعلى المستدل إقامة دليل على ذلك ولا ينافي ما ذكرنا أن يكون للآلات الجسمانية مدخل في حصولها على وجه الإعداد غاية الأمر عدم حصولها بعد الموت وأين ذلك من زوال الحاصل فلا أقل من الشك في بقاء تلك الصور والأصل قاضٍ ببقائها وقد يظهر من بعضهم دعوى زوال الظن بعد الموت لا بواسطة أن الموت يوجب خراب البدن بل بواسطة كشف حجاب النفس عن الواقع واطلاعها على اللوح المحفوظ بعد الموت وهو الظاهر من المحقق الداماد رحمه الله في توجيه كلام جده المحقق الثاني حيث أراد السيد دفع الاستصحاب القاضي بالبقاء حيث قال إن الظن لما جاز أن يكون مخالفا للواقع والموت الجسماني الذي حقيقته
مطارح الأنظار — صفحة 255
مساهمون: الشيخ الأنصاري
ص٢٥٥