إنما يخفيها ويحفظها من الخطر الذي يهدد وجودها ، والعقل السليم يقر هذا
التوجه الفطري الهادف إلى الحفاظ على الحياة أو المعتقد ، أو المصلحة ، لأن
عدم إقراره قد يؤدي إلى زوال الحياة ، وزوال المعتقد تبعا " لها ، لأن إخفاء
المعتقدات عملية آنية لمواجهة خطر آني يتهدد المعتقد وحياة صاحبه ، فلا شئ
يمنع صاحب المعتقد من إظهاره بعد زوال الخطر ، أو بعد الاستعداد لمواجهته .
لقد أعلنت السلطة الطاغية قرارها بأنها ستقتل ، وبغير رحمة ، كل رجل
متعاطف مع قيمة العدل ، وانطلق أعوان السلطة يجوبون ويتعقبون أولئك الذين
يتعاطفون مع قيمة العدل مثلا " ، فوجدوا أحدهم وسألوه : هل تتعاطف مع قيمة
العدل ؟ فإذا قال لهم : نعم أتعاطف ، فقد أذن لهم بقتله أو أعطاهم المسوغ
لقتله ، وإن أخفى معتقده وسايرهم نجا بحياته ومعتقده ، ولا شئ يمنعه إذا عاود التفكير
في الأمر من أن يتخذ موقفا " آخر عندما يواجه أعوان الطاغية مرة أخرى . إن الظلم
لم يتوقف طوال التاريخ وإن الظالمين لم يختفوا أبدا " ، ولم يخل منهم مجتمع
إنساني قط ، وفي المجتمعات الإنسانية أقوياء بيدهم الحول والطول والسلطة ،
وضعفاء لا حول ولا قوة ، فجاءت الفطرة التي فطر الله الناس عليها وزودت
المستضعفين بسلاح التقية لمواجهة الأقوياء الظالمين ، لأن الأقوياء يتعاملون مع
الظاهر ، وهم أقل وأذل من أن يخترقوا حجب الخفاء ، أو ما تخفي النفوس ، وجاء
العقل السليم بتحليلاته المرتبطة مع الفطرة ليقر بغير تحفظ مبدأ التقية باعتباره
الوسيلة الدفاعية والأقل كلفة .
التقية مبدأ إسلامي أصيل
رأينا أن القرآن الكريم قد أوجد مبدأ التقية وأسسه ( 1 ) . كذلك فإن السنة
النبوية ، بفروعها الثلاثة ، قد أقرت هذا المبدأ وأثرته ببيانها . وقد أجمع أهل العلم
على ( أن من أكره على الكفر حتى خشي على نفسه القتل ، لا إثم عليه إن كفر وقلبه
مطمئن بالإيمان ، ولا تبين منه زوجته ، ولا يحكم عليه بالكفر ) ( 2 ) . فمن يلجأ للتقية
هامش
( 1 ) راجع سورة آل عمران آية 28 ، وسورة غافر آية 28 ، وسورة النحل آية 106 .
( 2 ) راجع الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 10 / 119 .