بالتدريس والتصنيف ، وأول مصنفاته الروض وآخرها الروضة ألفها في ستة
أشهر وستة أيام ، وكان غالب الأيام يكتب كراسا " ، ومن عجيب أمره أنه كان
يكتب بغمسة واحدة في الدواة عشرين أو ثلاثين سطرا " ، . وخلف ألفي كتاب ،
منها مائتا كتاب كانت بخطه الشريف من مؤلفاته وغيرها .
مع أنه ذكر تلميذه الفاضل ابن العودي في رسالة بغية المريد : ولقد
شاهدت منه سنة ورودي إلى خدمته أنه كان ينقل الحطب على حمار في الليل
لعياله ، ويصلى الصبح في المسجد ، ويشتغل بالتدريس بقية نهاره ، فلما شعرت
بذلك كنت أذهب معه بغير اختياره ، وكان رحمه الله يصلي العشاء جماعة
وبذهب لحفظ الكرم ، ويصلى الصبح في المسجد ، بجلس للتدريس والبحث
كالبحر الزاخر ، ويأتي بمباحث غفل عنها الأوائل والأواخر .
ولعمري لقد اشتمل على فضيلة جميلة ، ومنقبة جليلة ، تفرد بها عن أبناء
جنسه ، وحباه الله تزكية لنفسه ، وهو أنه من المعلوم البين أن العلماء رحمهم
الله لم يقدروا على أن يروجوا أمور العلم ، وينظموا أحواله ، ويفرغوه في قالب
التصنيف والترصيف حتى يتفق لهم من يقوم بجميع المهمات ويكفيهم كلما
يحتاجون من التعلقات ، ويقطع عنهم جميع العلائق ، ويزيل عنهم جميع الموانع
والعوائق ، أما من ذي سلطان يسخره الله لهم ، أو من ذي مروة وأهل خير يلقى
الله في قلبه قضاء مهماتهم ، ومع ذلك كانوا في راحة من الخوف بالأمان ، وفي
دعة من حوادث الزمان ، ولكل منهم وكلاء قوامون بمصالح معيشتهم ، ونظام
دنياهم ، بحيث لا يعرفون إلا العلم وممارسته ، ولم يبرز منهم من المصنفات في
الزمان الطويل إلا القليل ، ومن التحقيقات إلا اليسير .
وكان شيخنا المذكور - روح الله روحه - مع ما عرفت يتعاطى جميع مهماته
بقلبه وبدنه ، حتى لو لم يكن إلا مهمات الواردين عليه ، ومصالح الضيوف
المترددين إليه ، مضافا " إلى القيام بأحوال الأهل والعيال ، ونظام المعيشة واتقان
خاتمة المستدرك — صفحة 259
مساهمون: ميرزا حسين النوري الطبرسي
ص٢٥٩