تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة الإمام السيد عبدالحسين شرف الدين — صفحة 527

مساهمون:

ص٥٢٧
ضوئها أبعد أشواط الحضارة والرقيّ والسياسة ، فملكوا أزمّة الدنيا العلميّة ، وعمروا حتّى مجاهل الأرض بملكهم السياسي العتيد . - وكذلك العلم يفعل - حتّى إذا هدأت تلك الفورة الراغية المزبدة ، وانكدرت سماء العرب والمسلمين وغيّروا ما بأنفسهم ، فعاث الغاشمون بكتبهم ومكتباتهم المؤثّلة بأنفس الأسرار ، وراحت الأمم المغيرة تتصرّف بمقدّراتهم ومقدّساتهم ، ودهمنا الغرب بخيله ورجله ، فأناخ بكلكله ، وضرب بجرانه ، فاستحوذ علينا دخولا في مدارسه ، وإصغاء إلى وساوسه ، فاندفعنا نزجّ بأفلاذ أكبادنا إلى أحضانه ، تحوطهم طوائف منه ، أو من حملة مبادئه بالحضانة واللقانة ، حتّى إذا خرج الفوج الأوّل من شبّان الجيل المأمول علمنا أنّ الخسارة أكبر من الربح والإثم أكبر من المنفعة ، وإذا كان أولادنا قد غنموا بعض الثروة من قيمة الحياة الحاضرة ، فإنّا قد خسرنا فيهم الروح والمبدأ والأخلاق والإخلاص ، وجهّزنا من كثير منهم سلاحا يصيب نحورنا ويفري غلاصمنا ، فكنّا في ذلك كالباحث عن حتفه بظلفه ، والجادع مارن أنفه بكفّه ، فالجهل أقلّ ضررا من هذه المعارف المسمومة . وفي الحقّ لقد خدعت امّتنا العزيزة بأوهام من الغرور باطلة ، حيث أرادت استرجاع مجدها بتعليم ناشئتها ، فدفعتهم إلى أحضان هذه المدارس فأضرّتهم ضررا لا يتدارك ، وأضاعت مجدها على وجه آخر هو أتقن وأبرع وأشدّ إذ تخرّجوا جنودا علينا وعلى مقدّسات مبادئنا ، وتلك مصيبة ما مني الإسلام بمثلها ، فإنّا للّه وإنّا إليه راجعون . كنّا نشهد ذلك فنضيق به ذرعا ، وينزل بنا منه همّ مقضّ وألم مسهّد ، فنأرق على مضض السليم - كليلة ذي العائر الأرمد - . ومن الطبيعي أن ينتج الفكر لنا راحة ، تضمن ما نصبو إليه من متاع في علم يرجع لنا اليقظة التي بني عليها تاريخنا المجيد ، وفي مصارعة هذا التيّار أوحى إلينا الواجب الديني : أن نقوم بتربية أبنائنا تربية علميّة ، مستقلّة بأخلاقها وأهدافها ومثلها ، تحمل من العلم ما تفرضه المدارس العصريّة ، وتمتاز بالحفيظة العربيّة المستقلّة والروح الإسلاميّة المقدّسة ، وتلك هي القوّة المعنويّة المرجوّة للفتح المبين والبعث الجديد .