العنصر المقوّم الممسك حياة لغتنا العربيّة أن تندمج في لغات المستعمرين ، وتذوب تحت أشعّة الحوادث ، فلا يقوم لها ظلّ ، ولا يشعّ منها ذبال ، ولولا هذا اللواء الأبيض المنشور في القرآن الحكيم خفّاق العذبات على لغة الضاد لكانت لغة بائدة ملحودة إلى جنب أخواتها من اللغات المتقوّضة التي لا يعنى بها إلّا الأثريّون ، وإنّما يبحثون عنها ليضعوا نصوصها في المتاحف الأدبيّة كأثر قديم .
لكنّ القرآن العزيز بطبيعة قوّته القاهرة حفظ حياتها ، وكان منبعا تستقي منه ، وتمشي على ضفافه غير ملتوية عنه ، برغم طغيان الخطوب ، ومجاهدة العوادي الجامحة ، الثائرة الحقودة في تمزيق شتات العرب ولغتها ، وحلّ روابطها ووحدتها ، وفرط نظامها ، ونثر لآليها وغو إليها .
وبرغم الجهود المصروفة على تفليس خزائنها وتكسيد سلعها ونفائسها ، لكنّها - كما ترون - ظلّت وللّه الحمد ظافرة ثابتة ببركة القرآن الحكيم ، وكان القرآن سلاحها الذائد ، ونورها الكاشف عن وجهها كلّ ظلمة ، وأنتم لو ذهبتم إلى ما وراء ذلك من أسرار القرآن لرأيتم أنّ العرب إنّما قطعت تلك الأشواط البعيدة ، واجتازت تلك العقبات الكؤودة ، بقانون القرآن وروحه العالية ، التي كانت ترافقهم في غزواتهم وفتوحاتهم ، فتطوي بنود الأكاسرة وتثل عرش الرومان ، وتطّرد فتمسّ أرواح جنودها العرب ، فيجوبون الآفاق ، ويعبرون البحار ، وينتقلون من فوز إلى فوز ، ومن فتح إلى فتح يمتلكون العالم ، ويمصّرون الأمصار ، وتتّسق نظمهم ، وهناك تطمئنّ النفوس إلى العدل ، وتتعرّف برأفة الحكّام ، ويجد الناس من الحضارة ما لم يحلموا به من قبل ، وأنّ مدنيّة كهذه لآية باهرة ، ومعجزة قاهرة ، فالحمد للّه الذي هدانا لهذا وما كنّا لنهتدي لولا أن هدانا اللّه .
فأشربوا في قلوب الناشئة حبّ هذه المدنيّة ، واطبعوهم على غرارها ، واحفظوا
موسوعة الإمام السيد عبدالحسين شرف الدين — صفحة 522
مساهمون: السيد عبد الحسين شرف الدين
ص٥٢٢