تيمم ليصلي وقدر غيره على أن يزيل عجزه بحمل ماء إليه لم يلزمه ، ففي هذه الدقيقة
يختلف حكم العلم والجهل ، وحكم سائر الأوصاف . فإن قيل : فلو خالف الحاكم قياسا جليا
هل ينقض حكمه ؟ قلنا : قال الفقهاء ينقض فإن أرادوا به ما هو في معنى الأصل مما يقطع
به فهو صحيح وإن أرادوا به قياسا مظنونا مع كونه جليا فلا وجه له ، إذ لا فرق بين ظن
وظن ، فإذا انتقى القاطع فالظن يختلف بالإضافة ، وما يختلف بالإضافة ، فلا سبيل إلى تتبعه .
فإن قيل : فمن حكم على خلاف خبر الواحب أو بمجرد صيغة لأمر أو حكم في الفساد
بمجرد النهي فهل ينقض حكمه وقد قطعتم بصحة خبر الواحد ، وأن صيغة الامر لا تدل على
الوجوب ، والنهي لا يدل بمجرده على الفساد ؟ قلنا : معما كانت المسألة ظنية فلا ينقض
الحكم ، لأنا لا ندري أنه حكم لرده خبر الواحد ، أو أنه حكم بمجرد صيغة الامر ، بل لعله كان
حكم لدليل آخر ظهر له ، فإن علمنا أنه حكم لذلك لا لغيره وكانت المسألة مع ذلك ظنية
اجتهادية فلا ينبغي أن ينقض لأنه ليس لله في المسألة الظنية حكم معين ، فقد حكم بما هو
حكم الله تعالى على بعض المجتهدين ، فإن أخطأ في الطريق فليس مخطئا في نفس الحكم
، بل حكم في محل الاجتهاد ، وعلى الجملة : الحكم في مسألة فيها خبر واحد على خلاف الخبر ليس
حكما برد الخبر مطلقا ، وإنما المقطوع به كون الخبر حجة على الجملة ، أما آحاد المسائل فلا
يقطع فيها بحكم فإن قيل : فإن حكم بخلاف اجتهاده لكن وافق مجتهدا آخر وقلده فهل
ينقض حكمه ؟ ولو حكم حاكم مقلد بخلاف مذهب إمامه فهل ينقض ؟ قلنا : هذا في حق
المجتهد لا يعرف يقينا ، بل يحتمل تغير اجتهاده ، وأما المقلد فلا يصح حكمه عند الشافعي ،
ونحن وإن حكمنا يتنفيذ حكم المقلدين في زماننا لضرورة الوقت ، فإن قضينا بأنه لا يجوز
للمقلد أن يتبع أي مفت شاء بل عليه اتباع إمامه الذي هو أحق بالصواب في ظنه ، فينبغي أن
ينقض حكمه ، ولو جوزنا ذلك ، فإذا وافق مذهب ذي مذهب فقد وقع الحكم في محل
الاجتهاد فلا ينقض ، وهذه مسائل فقهية أعني نقض الحكم في هذه الصور ، وليست من
الأصول في شئ والله أعلم .
- مسألة ( في وجوب الاجتهاد على المجتهد وتحريم التقليد عليه ) وقد اتفقوا على أنه
إذا فرغ من الاجتهاد وغلب على ظنه حكم فلا يجوز له أن يقلد مخالفه ويعمل بنظر غيره
ويترك نظر نفسه ، أما إذا لم يجتهد بعد ولم ينظر فإن كان عاجزا عن الاجتهاد كالعامي فله
التقليد ، وهذا ليس مجتهدا ، لكن ربما يكون متمكنا من الاجتهاد في بعض الأمور وعاجزا عن
البعض إلا بتحصيل علم على سبيل الابتداء ، كعلم النحو مثلا في مسألة نحوية ، وعلم صفات
الرجال وأحوالهم في مسألة نحوية خبرية ، وقع النظر فيها في صحة الاسناد فهذا من حيث حصل
بعض العلوم واستقل بها لا يشبه العامي ، ومن حيث أنه لم يحصل هذا العلم فهو كالعامي
، فيلحق بالعامي أو بالعالم فيه نظر والأشهر والأشبه أنه كالعامي ، وإنما المجتهد هو الذي
صارت العلوم عنده بالقوة القريبة ، أما إذا احتاج إلى تعب كثير في التعلم بعد فهو في ذلك
الفن عاجز ، وكما يمكنه تحصيله فالعامي أيضا يمكنه التعلم ولا يلزمه ، بل يجوز له ترك
الاجتهاد ، وعلى الجملة : بين درجة المبتدئ في العلم وبين رتبة الكمال منازل واقعة بين
المستصفى — صفحة 368
مساهمون: الغزالي
ص٣٦٨