وفي حق زيد بخلاف ما في حق عمرو ، فما قولكم فيه لو تغير اجتهاده أليس ذلك جائزا ؟
فكذلك إذا اجتمع دليلان عليه عندنا ، كما في الحقاق وبنات اللبون يجوز أن يشير بإشارات
مختلفة فيأمر زيدا ببنات اللبون ، وعمرا بالحقاق ، وعلى الجملة يجوز أن يغاير أمر الحكم أمر
الفتوى لمصلحة الحكم ، كما لو تغير الاجتهاد ، فإنه لا ينقض الحكم الماضي ويحكم في
المستقبل بالاجتهاد الثاني ، وكذلك المجتهد في القبلة إذا تعارض عنده دليلان في جهتين
والصلاة لا تقبل التأخير ، ولا مجتهد يقلد ، فهل له سبيل إلا أن يتخير إحدى الجهتين فيصلي
إلى أي الجهتين شاء ، ولا يجوز له أن يعدل إلى الجهتين الباقيتين اللتين دل اجتهاده على أن
القبلة ليست فيهما ، فهذه أمور لو وقع التصريح بها من الشارع كان مقبولا ومعقولا وإليه
الإشارة بقول علي وعثمان رضي الله عنهما في الجمع بين المملوكتين أحلتهما آية
وحرمتهما آية .
- مسألة ( نقض الاجتهاد ) في نقض الاجتهاد : المجتهد إذا أداه اجتهاده إلى أن الخلع فسخ فنكح امرأة
خالعها ثلاثا ثم تغير اجتهاده لزمه تسريحها ولم يجز له إمساكها على خلاف اجتهاده ، ولو
حكم بصحة النكاح حاكم بعد أن خالع الزوج ثلاثا ثم تغير اجتهاده لم يفرق بين الزوجين
ولم ينقض اجتهاده السابق بصحة النكاح لمصلحة الحكم فإنه ، لو نقض الاجتهاد لنقض
النقض أيضا ولتسلسل فاضطربت الاحكام ولم يوثق بها ، أما إذا نكح المقلد بفتوى مفت
وأمسك زوجته بعد دور الطلاق وقد نجز الطلاق بعد الدور ثم تغير اجتهاد المفتي فهل على
المقلد تسريح زوجته ؟ هذا ربما يتردد فيه ، والصحيح أنه يجب تسريحها ، كما لو تغير اجتهاد
مقلده عن القبلة في أثناء الصلاة ، فإنه يتحول إلى الجهة الأخرى ، كما لو تغير اجتهاده في
نفسه ، وإنما حكم الحاكم هو الذي لا ينقض ، ولكن بشرط أن لا يخالف نصا ولا دليلا قاطعا
فإن أخطأ النص نقصنا حكمه ، وكذلك إذا تنبهنا لأمر معقول في تحقيق مناط الحكم أو
تنقيحه بحيث يعلم أنه لو تنبه له لعلم قطعا بطلان حكمه فينقض الحكم . فإن قيل : قد
ذكرتم أن مخالف النص مصيب إذا لم يقصر ، لان ذلك حكم الله تعالى عليه بحسب حاله فلم
ينقض حكمه ؟ قلنا نعم ، هو مصيب بشرط دوام الجهل ، كمن ظن أنه متطهر فحكم الله
عليه وجوب الصلاة ، ولو علم أنه محدث فحكم الله عليه تحريم الصلاة مع الحدث ، لكن
عند الجهل الصلاة واجبة عليه وجوبا حاصلا ناجزا ، وهي حرام عليه بالقوة ، أي هي بصدد أن
تصير حراما ما لو علم محدث ، فمهما علم لزمه تدارك ما مضى وكان ذلك صلاة بشرط دوام
الجهل ، وكذلك مهما بلغ المجتهد النص نقض حكمه الواقع فكذلك الحاكم الآخر العالم
بالنص ينقض حكمه ، وعند هذا ننبه على دقيقة وهي أنا ذكرنا أن اختلاف حال المكلف في
الظن والعلم كاختلاف حاله في السفر والإقامة ، والطهر والحيض ، فيجوز أن يكون ذلك سببا
لاختلاف الحكم ، لكن بينهما فرق وهو : أن من سقط عنه وجوب لسفره أو عجزه فلا يجب
إزالة سفره وعجزه ليتحقق الوجوب ، ومن سقط عنه لجهله وجب إزالة جهله ، فإن التعليم
وتبليغ حكم الشرع وتعريف أسبابه واجب ، وكذلك نقول : من صلى وعلى ثوبه نجاسة لا
يعرفها تصح صلاته ولا يقضيها على قول ، فمن رأى في ثوبه تلك النجاسة يلزمه تعريفه ولو
المستصفى — صفحة 367
مساهمون: الغزالي
ص٣٦٧