فيوزع عليهما وعلى الجملة الاحتمالات أربعة : أما العمل بالدليلين جميعا ، أو إسقاطهما
جميعا ، أو تعيين أحدهما بالتحكم ، أو التخيير ، ولا سبيل إلى الجمع عملا وإسقاطا لأنه
متناقض ، ولا سبيل إلى التوقف إلى غير نهاية ، فإن فيه تعطيلا ، ولا سبيل إلى التحكم بتعيين
أحدهما ، فلا يبقى إلا الرابع وهو التخيير ، كما في اجتماع المفتيين على العامي ، فإن قيل
: كما استحالت الأقسام الثلاثة فالتخيير أيضا جمع بين النقيضين فهو محال ؟ قلنا : المحال ما
لو صرح الشرع به لم يعقل ، ولو قال الشارع : من دخل الكعبة فله أن يستقبل أي جدار أراد
فيتخير بين أن يستقبل جدارا أو يستدبره كان معقولا ، لأنه كيفما فعل فهو مستقبل شيئا من
الكعبة ، وكيفما تقلب فإليها ينقلب ، وكذلك إذا قال : تعبدتكم باتباع الاستصحاب ثم
تعارض استصحابان ، فكيفما تقلب فهو مستصحب ، كما إذا أعتق عن كفارته عبدا غائبا انقطع
خبره ، فالأصل بقاء الحياة ، والأصل بقاء اشتغال الذمة فقد تعارضا ، وكذلك إذا علم المجتهد
أن في التسوية في العطاء مصلحة وهي الاحتراز عن وحشة الصدور بمقدار التفاوت الذي لا
يتقدر إلا بنوع من الاجتهاد ، وفي التفاوت مصلحة تحريك رغبات الفضائل ، وهما مصلحتان
ربما تساوتا عند الله تعالى أيضا فكيفما فعل فقد مال إلى مصلحة ، وكذلك قد تشبه المسألة
أصلين شبها متساويا وقد أمرنا باتباع الشبه فكيفما فعل فهو ممتثل ، ومثاله قوله تعالى عليه السلام
في زكاة الإبل : في كل أربعين بنت لبون وفي كل خمسين حقة فمن له من الإبل مائتان
فإن أخرج الحقاق فقد عمل بقوله عليه السلام : في كل خمسين حقة وإن أخرج بنات لبون
فقد عمل بقوله : في كل أربعين بنت لبون وليس أحد اللفظين بأولى من الآخر فيتخير ،
فكذلك عند تعارض الاستصحاب والمصلحة والشبه ، فإن قيل التخيير بين التحريم ونقيضه
يرفع التحريم ، والتخيير بين الواجب وتكره يرفع الوجوب ، والجمع بين أختين مملوكتين أما أن
يحرم أو لا يحرم ، فإن قلنا بهما جميعا فهو متناقض ، قلنا : يحتمل أن يرجع عند تعارض
الدليل الموجب والمسقط إلى الوجه الآخر ، وهو القول بالتساقط ، ويطلب الدليل من موضع
آخر ، ويخص وجه التخيير بما لو ورد الشرع فيه بالتخيير لم يتناقض مما يضاهي مسألة بنات
اللبون والحقاق ، وكالاختلاف في المحرم إذا جمع بين التحليلين الواجب عليه بدنة أو شاة إذ
التخيير بينهما معقول ، فيحصل في تعارض الدليلين ثلاثة أوجه : وجه في التساقط ، ووجه في
التخيير ، ووجه في التفصيل ، وفصل بين ما يمكن التخيير فيه من الواجبات ، إذ يمكن التخيير
فيها وبين ما يتعارض فيه الموجب والمبيح أو المحرم والمبيح ، فلا يمكن التخيير فيه فيرجع
إلى التساقط ، وإن أردنا الاصرار على وجوب التخيير مطلقا فله وجه أيضا ، وهو أنا نقول :
إنما يناقض الوجوب جواز الترك مطلقا ، أما جوازه بشرط فلا ، بدليل أن الحج واجب على
التراخي ، وإذا أخر ثم مات قبل الأداء لم يلق الله عاصيا عندنا إذا أخر مع العزم على الامتثال ،
فجواز تركه بشرط العزم لا ينافي الوجوب ، بل المسافر مخير بين أن يصلي أربعا فرضا
وبين أن يترك ركعتين فالركعتان واجبتان ، ويجوز أن يتركهما ، ولكن جاز تركهما بشرط أن
يقصد الترخص ويقبل صدقة قد تصدق الله بها على عباده فهو كمن يستحق أربعة دراهم
على غيره فقال له : تصدقت عليك بدرهمين ، إن قبلت وإن لم تقبل ، وأتيت بالأربعة قبلت
المستصفى — صفحة 365
مساهمون: الغزالي
ص٣٦٥