بالقضاء فهو تنبيه على قياس دين الله تعالى على دين الخلق ، ولا بد من قرينة تعرف القصد
أيضا ، إذ لو كان لتعلم القياس لقيس عليه السلام الصوم والصلاة ومن ذلك قوله عليه السلام :
كنت نهيتكم عن لحوم الأضاحي لأجل الدافة - أي القافلة - : فادخروا فبين أنه وان سكت
عن العلة فقد كان النهي لعلة وقد زالت العلة فزال الحكم ، ومن ذلك قوله عليه السلام :
أينقض الرطب إذا يبس ؟ فقيل : نعم قال : فلا إذا وقوله تعالى : * ( كي لا يكون دولة
بين الأغنياء منكم ) * ( الحشر : 7 ) وقال لام سلمة وقد سئلت عن قبلة الصائم : ألا أخبرتيه
أني أقبل وأنا صائم ؟ تنبيها على قياس غيره عليه ، وروت أم سلمة رضي الله عنها أنه قال :
أني أقضي بينكم بالرأي فيما لم ينزل فيه وحي ودل عليه قوله تعالى : * ( لتحكم بين الناس
بما أراك الله ) * ( النساء : 501 ) وليس الرأي إلا تشبيها وتمثيلا بحكم ما هو أقرب إلى الشئ
وأشبه به ، وإذا ثبت أنه كان مجتهدا بالامر وثبت اجتهاد الصحابة فيعلم أنهم اجتهدوا بالامر ،
وقال عمر : يا أيها الناس ، إن الرأي كان من النبي عليه السلام مصيبا ، فإن الله تعالى كان
يسدده ، وإنما هو منا الظن والتكلف ، فلم يفرق إلا في العصمة ، ومن ذلك أمره سعد بن
معاذ أن يحكم في بني قريظة برأيه ، فأمرهم بالنزول على حكمه ، فأمر بقتلهم وسبي نسائهم ،
فقال عليه السلام : لقد وافق حكمه حكم الله ومن ذلك قوله : إذا اجتهد الحاكم فأخطأ
فله أجر ، وإن أصاب فله أجران ومن ذلك أنه عليه السلام شاور الصحابة في عقوبة الزنا
والسرقة قبل نزول الحد ومن ذلك قوله عليه السلام : لعن الله اليهود حرمت عليهم
الشحوم فجملوها وباعوها وأكلوا أثمانها علل تحريم ثمنها بتحريم أكلها ، واستدل عمر
بهذا في الرد على سمرة حيث أخذ الخمر في عشور الكفار وباعها ، ومن تعليلاته بعض الأحكام
كقوله : لا تخمروا رأسه فإنه يحشر ملبيا وقوله في الشهداء مثل لك ، وقوله :
أنها من الطوافين عليكم والطوافات وقوله في الذي ابتاع غلاما واستغفله ثم رده
الخراج بالضمان فهذه أجناس لا تدخل تحت الحصر ، وآحادها لا تدل دلالة قاطعة ،
ولكن لا يبعد تأثير اقترانها مع نظائرها في أشعار الصحابة بكونهم متعبدين بالقياس والله أعلم .
القول في شبه المنكرين للقياس والصائرين إلى حظره من جهة الكتاب
والسنة وهي سبع
الأولى : تمسكهم بقوله تعالى : * ( ما فرطنا في الكتاب من شئ ) * ( الانعام : 83 )
وقوله : * ( تبيانا لكل شئ ) * ( النحل : 98 ) قالوا : معناه بيانا لكل شئ مما شرع لكم ، فإنه
ليس فيه بيان الأشياء كلها ، فليكن كل مشروع في الكتاب ، وما ليس مشروعا فيبقى على النفي
الأصلي والجواب من أوجه : الأول : أنه أين في كتاب الله تعالى مسألة الجد والاخوة
والعول والمبتوتة والمفوضة ، وأنت علي حرام ، وفيها حكم لله تعالى شرعي اتفق الصحابة
على طلبه ، والكتاب بيان له ، إما بتمهيد طريق الاعتبار ، أو بالدلالة على الاجماع والسنة ، وقد
ثبت القياس بالاجماع والسنة ، فيكون الكتاب قد بينه . الثاني : أنكم حرمتم القياس ، وليس في
كتاب الله تعالى بيان تحريمه ، فيلزمكم تخصيص قوله تعالى لكل شئ
كما خصص قوله : * ( خالق كل شئ ) * ( الانعام : 201 ) * ( وأوتيت من
المستصفى — صفحة 294
مساهمون: الغزالي
ص٢٩٤