على العقد بالبيعة ، وقياس أبي بكر الزكاة على الصلاة في قتال من منع الزكاة ، ورجوع أبي بكر
إلى توريث أم الأب قياسا على أم الام ، وقياس عمر الخمر على الشحم في تحريم ثمنه
وقياسه الشاهد على القاذف في حد أبي بكرة ، وتصريح علي بالقياس على الافتراء في حد
الشرب ، ولسنا نعني بالقياس إلا هذا الجنس ، وهو معلوم منهم ضرورة في وقائع لا تحصى
ولا تنحصر ، ولنعين مسألتين مشهورتين نقلنا على التواتر ، وهي مسألة الجد والاخوة ومسألة
الحرام ، أما في قوله : أنت علي حرام ألحقه بعضهم بالظهار وبعضهم بالطلاق وبعضهم
باليمين ، وكل ذلك قياس وتشبيه في مسألة لا نص فيها إذ النص ورد في المملوكة في قوله
تعالى : * ( يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك ) * ( التحريم : 1 ) والنزاع وقع في المنكوحة ،
فكان من حقهم أن يقولوا : هذه لفظة لا نص في النكاح ، فلا حكم لها ويبقى الحل
والملك مستمرا ، كما كان ، لان قطع الحل والملك ، أو إيجاب الكفارة يعرف بنص أو قياس
على منصوص ، ولا نص والقياس باطل ، فلا حكم ، فلم قاسوا المنكوحة على الأمة ؟ ولم قاسوا
هذا اللفظ على لقظ الطلاق وعلى لفظ الظهار وعلى لفظ اليمين ؟ ولم يقل أحد من الصحابة
قد أغناكم الله عن إثبات حكم في مسألة لا نص فيها ، وكذلك الجد وحده عصبة بالنص
والأخ وحده عصبة ولا نص عند الاجتماع ، فقضوا حيث لا نص بقضايا مختلفة وصرحوا
بالتشبيه بالحوضين والخليجين وصرح من قدم الجد ، وقال ابن الابن ابن فليكن أبو الأب
أبا ، وصرح من سوى بينهما بأن الأخ يدلي بالأب والجد أيضا يدلي به والمدلي به واحد
والأدلاء مختلف ، فقاسوا الأدلاء بجهة الأبوة على الأدلاء بجهة البنوة مع أن البنوة قد تفارق
الأبوة في أحكام وكذلك قال زيد في مسألة زوج وأبوين للام ثلث ما بقي ، فقال ابن
عباس : أين رأيت في كتاب الله تعالى ثلث ما بقي ، فقال : أقول برأيي وتقول برأيك ، فزيد
قاس حال وجود الزوج على ما إذا لم يكن زوج . إذ يكون للأب ضعف ما للام ، فقال نقدر
كأن الباقي بعد الزوج والزوجة كل المال ، ونقدر كأن الزوج لم يكن وكذلك من فتش عن
اختلافاتهم في مسائل الفرائض وغيرها علم ضرورة سلوكهم طرق المقايسة والتشبيه ، وأنهم
إذا رأوا فارقا بين محل النص وغيره ورأوا جامعا وكان الجامع في اقتضاء الاجتماع أقوى في
القلب من الفارق في اقتضاء الافتراق مالوا إلى الأقوى الأغلب ، فإنا نعلم أنهم ما طلبوا
المشابهة من كل وجه إذ لو تشابها من كل وجه لاتحدت المسألة ولم تتعدد فيبطل التشبيه
والمقايسة ، وكانوا لا يكتفون بالاشتراك في أي وصف كان ، بل في وصف هو مناط الحكم
وكون ذلك الوصف مناطا لو عرفوه بالنص لما بقي للاجتهاد والخلاف مجال ، فكانوا يدركون
ذلك بظنون وأمارات ونحن أيضا نشترط ذلك في كل قياس كما سيأتي في باب إثبات علة الأصل .
الاعتراض الخامس : أن الصحابة إن قالوا بالقياس اختراعا من تلقاء أنفسهم فهو
محال ، وإن قالوا به عن سماع من النبي عليه السلام فيجب إظهار مستندهم والتمسك به ،
فإنكم تسلمون أنه لا حجة فيما أبدعوه ووضعوه ، ونحن نسلم وجوب الاتباع فيما سمعوه ، فإنه
إذا قال عليه السلام : إذا غلب على ظنكم أن مناط الحكم بعض الأوصاف فاتبعوه ، فإن الامر
كما ظننتموه ، أو حكم الظان على ما ظنه ، فهي علامة في حقه ، وغير علامة في حق من ظنه
المستصفى — صفحة 292
مساهمون: الغزالي
ص٢٩٢