الصحابة بعد رسول الله ( ص ) وبعد موت من مات بعد رسول الله ( ص ) ،
وليس ذلك إلا لان الماضي لا يعتبر ، والمستقبل لا ينتظر وأن وصف كلية الأمة حاصل
لكل من الموجودين في كل وقت ، وأما إجماع التابعين على خلاف قول واحد من الصحابة ،
فقد قال قوم : يصير قول الصحابي مهجورا لأنهم كل الأمة ، وإن سلمنا وهو الصحيح فنقول :
إن اتفقوا على وفق قوله انعقد الاجماع ، إذ موافقته إن لم تقو الاجماع فلا تقدح فيه ، وإن
أجمعوا على خلاف قوله فلا يصير ذلك القول عندنا مهجورا حتى يحرم على تابعي التابعين
موافقته ، لأنه بعد أن أفتى في المسألة فليس فتوى التابعين فيها فتوى جميع الأمة ، بل فتوى
البعض ، فإن قيل إن ثبت نعت الكلية للتابعين فليكن خلاف قولهم بعدهم حراما ، وإن قال
به صحابي قبلهم ، وإن لم يكونوا كل الأمة ، فينبغي أن لا تقوم الحجة بإجماعهم ، ولا يحرم
خلافهم ، إذ خلاف بعض الأمة ليس بحرام ، أما أن تكون كلية الأمة في شئ دون شئ
فهذا متناقض ، وجمع بين النفي والاثبات ؟ قلنا : ليس بمتناقض ، لان الكلية إنما تثبت
بالإضافة إلى المسألة التي خاضوا فيها ، فإذا نزلت مسألة بعد الصحابة فالتابعون فيها كل
الأمة إذا أجمعوا فيها ، أما ما أفتى فيها الصحابي ففتواه ومذهبه لا ينقطع بموته ، وهذا
كالصحابي إذا مات بعد الفتوى ، وأجمع الباقون على خلافه ، لا يكون ذلك إجماعا من الأمة ،
ولو مات ثم نزلت واقعة بعده انعقد الاجماع على كل مذهب ، وتكون الكلية حاصلة بالإضافة ،
فإن قيل : إن كان في الأمة غائب لا ينعقد الاجماع دونه ، وإن لم يكن لذلك الغائب خبر من
الواقعة ، ولا فتوى فيها ، لكن نقول : لو كان حاضرا لكان له قول فيها ، فلا بد من موافقته ،
فليكن الميت قبل التابعين كالغائب ؟ قلنا : يبطل بالميت الأول من الصحابة ، فإن الاجماع
انعقد دونه ، ولو كان غائبا لم ينعقد ، لان الغائب في الحال ذو مذهب ورأي بالقوة فتمكن
موافقته ، ومخالفته ، فيحتمل أن يوافق أو يخالف إذا عرضت المسألة عليه ، بخلاف الميت ، فإنه
لا يتصور في حقه خلاف أو وفاق ، لا بالقوة ولا بالفعل ، بل المجنون والمريض الزائل العقل
والطفل لا ينتظر لأنه بطل منه إمكان الوفاق والخلاف ، فإن قيل : فما أجمع عليه التابعون
يندفع ، بخلاف واحد من الصحابة إذا نقل ، فإن لم ينقل فلعله خالف ، ولكن لم ينقل إلينا
فلا يستيقن إجماع كل الأمة ؟ قلنا : يبطل بالميت الأول من الصحابة ، فإن إمكان خلافه لا
يكون كحقيقة خلافه ، وهذا التحقيق ، وهو أنه لو فتح باب الاحتمال لبطلت الحجج ، إذ ما من
حكم إلا ويتصور تقدير نسخه وانفراد الواحد بنقله ، وموته قبل أن ينقل إلينا فيبطل إجماع
الصحابة ، لاحتمال أن واحدا منهم أضمر المخالفة ، وإنما أظهر الموافقة لسبب ، ويرد خبر
الواحد لاحتمال أن يكون كاذبا ، وإذا عرف الاجماع وانقرض العصر أمكن رجوع واحد منهم
قبل الموت ، وإن لم ينقل إلينا فيبطل الاجماع على مذهب من يشترط انقراض العصر ، فإن
قيل : إن الأصل عدم النسخ وعدم الرجوع ؟ قلنا : والأصل عدم خوضه في الواقعة ، وعدم
الخلاف والوفاق جميعا ، ومع أن الأصل العدم ، فالاحتمال لا ينتفي ، وإذا ثبت الاحتمال
حصل الشك فيصير الاجماع غير مستيقن مع الشك ، ولكن يقال : لا يندفع الاجماع بكل
شك ، فإن قيل في مسألة تجويز النسخ وتجويز الرجوع شك بعد استيقان أصل الحجة ، وإنما
المستصفى — صفحة 150
مساهمون: الغزالي
ص١٥٠