البقاع قد جمعت في زمن الصحابة أهل الحل والعقد ، فإن أراد مالك أن المدينة هي
الجامعة لهم فمسلم له ذلك لو جمعت ، وعند ذلك لا يكون للمكان فيه تأثير وليس ذلك
بمسلم بل لم تجمع المدينة جميع العلماء لا قبل الهجرة ولا بعدها بل ما زالوا متفرقين في
الاسفار ، والغزوات والأمصار ، فلا وجه لكلام مالك ، إلا أن يقول عمل أهل المدينة حجة لأنهم
الأكثرون ، والعبرة بقول الأكثرين وقد أفسدناه ، أو يقول يدل اتفاقهم في قول أو عمل أنهم
استندوا إلى سماع قاطع ، فإن الوحي الناسخ نزل فيهم ، فلا تشذ عنهم مدارك الشريعة ، وهذا
تحكم ، إذ لا يستحيل أن يسمع غيرهم حديثا من رسول الله ( ص ) في سفر أو
في المدينة ، لكن يخرج منها قبل نقله ، فالحجة في الاجماع ، ولا إجماع ، وقد تكلف لمالك
تأويلات ومعاذير استقصيناها في كتاب تهذيب الأصول ولا حاجة إليها هاهنا ، وربما احتجوا
بثناء رسول الله ( ص ) على المدينة وعلى أهلها ، وذلك يدل على فضيلتهم وكثرة
ثوابهم لسكناهم المدينة ، ولا يدل على تخصيص الاجماع بهم ، وقد قال قوم : الحجة في
اتفاق الخلفاء الأربعة ، وهو تحكم لا دليل عليه إلا ما تخيله جماعة في أن قول الصحابي
حجة ، وسيأتي في موضعه . -
مسألة ( هل يشترط التواتر في الاجماع ؟ ) اختلفوا في أنه هل يشترط أن يبلغ أهل الاجماع عدد التواتر ، أما من
أخذه من دليل العقل واستحالة الخطأ بحكم العادة ، فيلزمه الاشتراط ، والذين أخذوه
من السمع اختلفوا ، فمنهم من شرط ذلك ، لأنه إذا نقص عددهم فنحن لا نعلم إيمانهم
بقولهم فضلا عن غيره ، وهذا فاسد من وجهين : أحدهما : أنه يعلم إيمانهم لا بقولهم ، لكن
بقوله ( ص ) : لا تزال طائفة من أمتي على الحق حتى يأتي أمر الله وحتى يظهر
الدجال . ، فإذا لم يكن على وجه الأرض مسلم سواهم فهم على الحق . الثاني : أنا لم نتعبد
بالباطن ، وإنما أمة محمد من آمن بمحمد ( ص ) ظاهرا ، إذ لا وقوف على
الباطن ، وإذا ظهر أنا متعبدون باتباعهم فيجوز أن يستدل بهذا على أنهم صادقون ، لان الله
تعالى لا يتعبدنا باتباع الكاذب وتعظيمه والاقتداء به ، فإن قيل : كيف يتصور رجوع عدد
المسلمين إلى ما دون عدد التواتر ، وذلك يؤدي إلى انقطاع التكليف ، فإن التكليف يدوم
بدوام الحجة ، والحجة تقوم بخبر التواتر عن أعلام النبوة ، وعن وجود محمد ( ص )
وتحديه بالنبوة ، والكفار لا يقومون بنشر أعلام النبوة ، بل يجتهدون في طمسها ، والسلف
من الأئمة مجمعون على دوام التكليف إلى القيامة ، وفي ضمنه الاجماع على استحالة
اندراس الاعلام ، وفي نقصان عدد التواتر ما يؤدي إلى الاندراس ، وإذا لم يتصور وجود هذه
الحادثة فكيف نخوض في حكمها ، قلنا : يحتمل أن يقال : ذلك ممتنع لهذه الأدلة ، وإنما
معنى تصور هذه المسألة رجوع عدد أهل الحل والعقد إلى ما دون عدد التواتر ، وإن قطعنا
بأن قول العوام لا يعتبر ، فتدوم أعلام الشرع بتواتر العوام ، ويحتمل أن يقال : يتصور وقوعها ،
والله تعالى يديم الاعلام بالتواتر الحاصل من جهة المسلمين والكفار ، فيتحدثون بوجود محمد
( ص ) ، ووجود معجزته ، وإن لم يعترفوا بكونها معجزة ، أو يخرق الله تعالى العادة ،
فيحصل العلم بقول القليل حتى تدوم الحجة ، بل نقول : قول القليل مع القرائن المعلومة
المستصفى — صفحة 148
مساهمون: الغزالي
ص١٤٨