الأقلون ، وقال ( ص ) : سيعود الدين غريبا كما بدا غريبا وقال تعالى :
* ( أكثرهم لا يعقلون ) * ( المائدة : 301 ) وقال تعالى : * ( وقليل من عبادي الشكور ) * ( سبأ :
13 ) وقال تعالى : * ( كم من فئة قليلة ) * ( البقرة : 942 ) الآية وإذا لم يكن ضابط ، ولا مرد فلا
خاص إلا باعتبار قول الجميع . الدليل الثاني : إجماع الصحابة على تجويز الخلاف
للآحاد ، فكم من مسألة قد انفرد فيها الآحاد بمذهب كانفراد ابن عباس بالعول فإنه أنكره ،
فإن قيل : لا بل أنكروا على ابن عباس القول بتحليل المتعة ، وأن الربا في النسيئة ، وأنكرت
عائشة على ابن أرقم مسألة العينة ، وأنكروا على أبي موسى الأشعري قوله : النوم لا ينقض
الوضوء ، وعلى أبي طلحة القول بأن أكل البرد لا يفطر ، وذلك لانفرادهم به ، قلنا : لا ، بل
لمخالفتهم السنة الواردة فيه المشهورة بينهم ، أو لمخالفتهم أدلة ظاهرة قامت عندهم ، ثم
نقول : هب أنهم أنكروا انفراد المنفرد والمنكر منكر عليهم إنكارهم ، ولا ينعقد الاجماع فلا
حجة في إنكارهم مع مخالفة الواحد .
ولهم شبهتان : الشبهة الأولى : قولهم : قول الواحد فيما يخبر عن نفسه لا يورث
العلم ، فكيف يندفع به قول عدد حصل العلم بإخبارهم عن أنفسهم لبلوغهم عدد التواتر ،
وعن هذا قال قوم : عدد الأقل إلى أن يبلغ مبلغ التواتر يدفع الاجماع ، وهذا فاسد من ثلاثة
أوجه : الأول : إن صدق الأكثر وإن علم فليس ذلك صدق جميع الأمة ، واتفاقهم والحجة في
اتفاق الجميع ، فسقطت الحجة ، لأنهم ليسوا كل الأمة . الثاني : إن كذب الواحد ليس بمعلوم ،
فلعله صادق ، فلا تكون المسألة اتفاقا من جميع الصادقين إن كان صادقا . الثالث : إنه لا
نظر إلى ما يضمرون ، بل التعبد متعلق بما يظهرون ، فهو مذهبهم ، وسبيلهم لا ما أضمروه ، فإن
قيل : فهل يجوز أن تضمر الأمة خلاف ما تظهر ؟ قلنا : ذلك إن كان إنما يكون عن تقية
وإلجاء ، وذلك يظهر ويشتهر وإن لم يشتهر فهو محال ، لأنه يؤدي إلى اجتماع الأمة على
ضلالة وباطل ، وهو ممتنع ، بدليل السمع . الشبهة الثانية : إن مخالفة الواحد شذوذ عن
الجماعة ، وهو منهي عنه ، فقد ورد ذم الشاذ ، وأنه كالشاذ من الغنم عن القطيع ، قلنا : الشاذ
عبارة عن الخارج عن الجماعة بعد الدخول فيها ومن دخل في الاجماع لا يقبل خلافه بعده ،
وهو الشذوذ ، أما الذي لم يدخل أصلا فلا يسمى شاذا ، فإن قيل : فقد قال عليه السلام :
عليكم بالسواد الأعظم فإن الشيطان مع الواحد وهو عن الاثنين أبعد قلنا : أراد به الشاذ
الخارج على الامام بمخالفة الأكثر على وجه يثير الفتنة ، وقوله : وهو عن الاثنين أبعد أراد
به الحث على طلب الرفيق في الطريق ، ولهذا قال عليه السلام : والثلاثة ركب ، وقد قال
بعضهم : قول الأكثر حجة ، وليس بإجماع ، وهو متحكم بقوله أنه حجة إذ لا دليل عليه : وقال
بعضهم : مرادي به أن اتباع الأكثر أولى ، قلنا : هذا يستقيم في الاخبار ، وفي حق المقلد إذا
لم يجد ترجيحا بين المجتهدين سوى الكثرة ، وأما المجتهد فعليه اتباع الدليل دون الأكثر ،
لأنه إن خالفه واحد لم يلزمه اتباعه وإن انضم إليه مخالف آخر لم يلزمه الاتباع . -
مسألة ( إجماع أهل المدينة عند مالك ) قال مالك : الحجة في إجماع أهل المدينة فقط ، وقال قوم : المعتبر إجماع
أهل الحرمين مكة والمدينة والمصرين الكوفة والبصرة ، وما أراد المحصلون بهذا إلا أن هذه
المستصفى — صفحة 147
مساهمون: الغزالي
ص١٤٧