وغيرهما من الألفاظ المفردة والمركبة التي هي من الأمارات الجعلية .
نعم تفترق الجمل الانشائية عن الجمل الخبرية بأن الجمل الانشائية
إنما وضعت بهيئاتها الانشائية لابراز أمر ما من الأمور النفسانية ، وهذا
الأمر النفساني قد يكون اعتبارا من الاعتبارات ، كما في الأمر والنهي
والعقود والايقاعات ، وقد يكون صفة من الصفات ، كما في التمني
والترجي .
ولأجل ذلك أن الجمل الانشائية لا تتصف بالصدق تارة وبالكذب
أخرى ، إذ ليس في مواردها خارج تطابقه النسبة الكلامية أو لا تطابقه ،
وهذا بخلاف الجمل الخبرية فإنها موضوعة لابراز قصد الحكاية عن
الثبوت أو السلب ، وعليه فالهيئات التركيبية للجمل الخبرية أمارة على
قصد المتكلم للحكاية عن النسبة ، وهذه الحكاية قد تطابق الواقع فتكون
الجملة صادقة وقد تخالفه فتكون كاذبة .
وقد اتضح لك مما ذكرناه أن المتصف بدأ بالصدق والكذب في
الجمل الخبرية إنما هو الحكاية عن الواقع ، وأما اتصاف الجملة الخبرية
بهما إنما هو من قبيل وصف الشئ بحال متعلقه .
والمتحصل مما بيناه أن استعمال اللفظ في المعنى ليس إلا إظهار
المقاصد النفسانية بمبرز خارجي سواء في ذلك الجمل وغيرها ، وإذن
فالانشاء من مصاديق استعمال اللفظ في المعنى بلا ارتباط له بايجاد
المعنى باللفظ ( 1 ) .
هامش
1 - ثم إن الانشاء قد يكون موضوعا لحكم الشارع أو العقلاء وامضائهم ، وقد لا يكون ،
كما أن المسافر يكون موضوعا لوجوب القصر والحاضر موضوعا لوجوب التمام ، ولا معنى لأن
يتسبب المنشئ بالانشاء إلى اعتبار الشارع كما لا يتسبب إلى حكمه بوجوب القصر في السفر ،
وهكذا لا يتسبب المنشئ بالانشاء إلى اعتبار العقلاء ، بل يمكن أن يتحقق البيع مع عدم وجود
عاقل في العالم سوى المتبايعين ، ومع وجودهم أيضا ، فالغالب أن المتبايعين لا يقصدان
التسبب إلى ذلك ، بل يكونان غافلين عن اعتبار العقلاء .
وبالجملة فكما لا يوجد المعنى بالانشاء كذلك لا يتسبب به إلى اعتبار الشارع أو العقلاء
أصلا ، بل ليس في مورده سوى ابراز الاعتبار النفساني ، وربما يترتب عليه اعتبار العقلاء أو
الشارع ، وهذا غير التسبيب ، وما ذكرناه جار في جميع الانشاءات من العقود والايقاعات من
غير فرق بينهما - المحاضرات 2 : 26 .