عوضها وبدلها فهي بنفسها باقية في العهدة إلى حين الأداء واعطاء البدل
إنما هو من باب الوفاء ، كما فيما إذا كان له عليه من من الحنطة ولم يمكنه
أداؤه ، فإن الذمة مشغولة بالحنطة حتى حين التعذر ودفع البدل من باب
الوفاء بغير الجنس ولا ينتقل إلى البدل من حين التعذر ، والبدل الواجب
أداؤه هو المثل في المثليات والقيمة في القيميات ، بمعنى أنه لو أراد
أحدهما غير ذلك لم يجبر عليه .
وقال في موضع آخر : التحقيق أن الذمة مشغولة بنفس العين إلى حال
الأداء ، إذ هو المستفاد من أدلة الضمان حسبما أشرنا إليه سابقا والتعذر
لا ينافي ذلك لعدم إناطة الأحكام الوضعية بالقدرة .
أو يقال : إن هذا الوجه مبني على اشتغال الذمة بالمثل حتى في
القيمي ، فالانتقال إلى القيمة إنما يكون وقت الأداء .
4 - إن العبرة في ذلك بأعلى القيم من يوم القبض إلى يوم التلف ، وقد
قيل إن هذا القول هو الأشهر .
5 - إن العبرة في ذلك بأعلى القيم من يوم التلف إلى زمان الأداء .
6 - إن العبرة في ذلك بأعلى القيم من يوم القبض إلى يوم الأداء .
ثم الظاهر من هذه الوجوه في نفسها هو الوجه الثاني لما عرفته من أن
زمان الانتقال إلى القيمة إنما هو زمان التلف ، وإذن فلا مناص عن الالتزام
به ألا مع تعبد شرعي ، أما بقية الوجوه غير الوجه الأول فسيأتي البحث
فيها قريبا .
الاعتبار بقيمة يوم القبض
أما الوجه الأول فقد استدل عليه بصحيحة أبي ولاد الحناط ( 1 ) ، فإن تم
هامش
1 - قال : اكتريت بغلا إلى القصر ابن هبيرة ذاهبا وجائيا بكذا وكذا ، وخرجت في طلب
غريم لي ، فلما صرت قرب قنطرة الكوفة خبرت أن صاحبي توجه إلى النيل ، فتوجهت نحو
النيل ، فلما أتيت النيل خبرت أن صاحبي توجه إلى بغداد ، فاتبعته وظفرت به وفرغت مما
بيني وبينه ورجعنا إلى الكوفة ، وكان ذهابي ومجيئي خمسة عشر يوما ، فأخبرت صاحب
البغل بعذري وأردت أن أتحلل منه مما صنعت وأرضيه ، فبذلت له خمسة عشر درهما ، فأبى أن
يقبل ، فتراضينا بأبي حنيفة ، فأخبرته بالقصة وأخبره الرجل ، فقال لي : وما صنعت بالبغل ،
فقلت : قد دفعته إليه سليما ، قال : نعم بعد خمسة عشر يوما ، فقال : ما تريد من الرجل ، قال :
أريد كري بغلي فقد حبسه على خمسة عشر يوما ، فقال : ما أري لك حقا لأنه اكتراه إلى قصر ابن
هبيرة فخالف وركبه إلى النيل وإلى بغداد فضمن قيمة البغل وسقط الكري ، فلما رد البغل
سليما وقبضته لم يلزم الكري .
قال : فخرجنا من عنده ، وجعل صاحب البغل يسترجع ، فرحمته مما أفتي به أبو حنيفة ،
فأعطيته شيئا وتحللت منه ، فحججت تلك السنة فأخبرت أبا عبد الله ( عليه السلام ) بما أفتي به
أبو حنيفة ، فقال : في مثل هذا القضاء وشبهه تحبس السماء ماءها ، وتمنع الأرض بركتها ، قال :
فقلت لأبي عبد الله ( عليه السلام ) : فما تري أنت ، قال : أري له عليك مثل كري بغل ذاهبا من الكوفة إلى
النيل ، ومثل كري بغل راكبا من النيل إلى بغداد ، ومثل كري بغل من بغداد إلى الكوفة توفيه
إياه ، قال : فقلت : جعلت فداك إني قد علفته بدراهم فلي عليه علفه ، فقال : لا لأنك غاصب ،
فقلت : أرأيت لو عطب البغل ونفق أليس كان يلزمني ، قال : نعم قيمة بغل يوم خالفته ، قلت : فإن
أصاب البغل كسر أو دبر أو غمز ( وفي التهذيب : عقر ، وفي الوافي : غمر ) فقال : عليك قيمة ما
بين الصحة والعيب يوم ترده عليه ، قلت : فمن يعرف ذلك ، قال : أنت وهو إما أن يحلف هو على
القيمة فتلزمك ، فإن رد اليمين عليك فحلفت على القيمة لزمه ذلك ، أو يأتي صاحب البغل
بشهود يشهدون أن قيمة البغل حين أكري كذا وكذا فيلزمك ، قلت : إني كنت أعطيته دراهم
ورضي بها وحللني ، فقال : إنما رضي بها وحللك حين قضى عليه أبو حنيفة بالجور والظلم ،
ولكن ارجع إليه فأخبره بما أفتيتك به ، فإن جعلك في حل بعد معرفته فلا شئ عليك بعد ذلك .
قال أبو ولاد : فلما انصرفت من وجهي ذلك لقيت المكاري ، فأخبرته بما أفتاني به أبو عبد الله
( عليه السلام ) وقلت له : قل ما شئت حتى أعطيكه ، فقال : قد حببت إلى جعفر بن محمد ( عليهما السلام ) ووقع
في قلبي له التفضيل وأنت في حل ، وإن أحببت أن أرد عليك الذي أخذت منك فعلت ( الكافي
5 : 290 ، التهذيب 7 : 215 ) ، صحيحة .
قال في مرآة العقول 3 : 433 : وقال في المغرب : قصر ابن هبيرة على ليلتين من الكوفة
وبغداد منه على ليلتين .
والظاهر أن هذا التحديد من غير طريق الماء وإلا فإن قصر ابن هبيرة من الكوفة على نحو
عشرين فرسخا في الماء ، كما يكشف عن ذلك صحيح آخر عن أبي ولاد الوارد في حد المسير
الذي تقصر فيه الصلاة .
قال : قلت لأبي عبد الله ( عليه السلام ) : إني كنت خرجت من الكوفة في سفينة إلى قصر ابن هبيرة ،
وهو من الكوفة على نحو عشرين فرسخا في الماء - الحديث ( التهذيب 3 : 298 ، عنه الوسائل
8 : 469 ) .
والنيل - بالكسر - نهر بمصر ، وقرية بكوفة ، وبلد بين بغداد وواسط ، وفي لسان العرب :
النيل نهر مصر ، ونهر بالكوفة ، وحكى الأزهري قال : رأيت في سواد الكوفة قرية يقال لها النيل
يخرقها خليج كبير يتخلج من الفرات الكبير ، قال : وقد نزلت بهذه القرية - انتهى .
الدبر - بالتحريك - كالجراحة تحدث من الرحل وغيره ، وغمزت الدابة : مالت من رجلها ،
والغمر : العطش ، والعقر : الجرح .