يراها العامة أحداثا ناقضة للوضوء ( 1 ) ، فإنه يدور الأمر حينئذ بين حمله
على الوجوب بداعي التقية ، وبين حمله على الاستحباب بداعي بيان
الواقع ، ومن المعلوم أن الحمل على الثاني أولى ، إذ لم يثبت من مذهب
الشيعة عدم استحباب الوضوء عقيب الأمور المذكورة ، ولكن ثبت
عندهم أنها لا تنقض الوضوء جزما ، وعليه فتتأدى التقية بإرادة المجاز
واخفاء القرينة .
أقول : لله در المصنف حيث أشار بكلامه هذا إلى قاعدة كلية وضابطة
شريفة تتفرع عنها فروع كثيرة ، ومن شأنها أن يبحث عنها في علم
الأصول في فصل من فصول أبحاث الأوامر .
وتحقيق الكلام فيها : أن ما يدور أمره بين الحمل على التقية وبين
الحمل على الاستحباب على ثلاثة أقسام :
1 - أن يكون ظهوره في بيان الحكم الوضعي المحض ، كما إذا ورد
عنهم ( عليهم السلام ) : أن الرعاف أو الحجامة مثلا من النواقض للوضوء ( 2 ) ، فإنه
لا ريب في حمل هذا القسم على التقية ، بأن يكون المراد أنها ناقضة حقيقة
للوضوء ، ولكن صدور هذا الحكم بداعي التقية لا بداعي الإرادة الجدية .
2 - أن يدل بظهوره على الحكم التكليفي المولوي المحض ، كما إذا
هامش
1 - عن أبي بصير عن أبي عبد الله ( عليه السلام ) قال : إذا قبل الرجل المرأة من شهوة أو مس فرجها
أعاد الوضوء ( التهذيب 1 : 22 ، الإستبصار 1 : 88 ، عنهما الوائل 1 : 272 ) .
عن عمار بن موسى عن أبي عبد الله ( عليه السلام ) ، سئل عن الرجل يتوضأ ثم يمس باطن دبره ،
قال : نقض وضوؤه ، وإن مس باطن إحليله فعليه أن يعيد الوضوء ( التهذيب 1 : 348 ، الإستبصار
1 : 88 ، عنهما الوسائل 1 : 272 ) .
2 - عن الوشاء قال : سمعته يقول : رأيت أبي وقد رغف بعد ما توضأ دما سائلا ، فتوضأ
( التهذيب 1 : 13 ، الإستبصار 1 : 85 ) .