( ص ) : الثلث والثلث كثير ( ثم يقسم الباقي ) من التركة ( بين الورثة ) على ما يأتي بيانه .
تنبيه : قد يوهم كلامه أن الملك لا ينتقل للوارث إلا بعد وفاء الدين والوصية ، وليس مرادا ، بل الملك في الجميع
ينتقل للوارث بمجرد الموت على الأصح لأن الأصح أن تعلق الدين بالتركة لا يمنع الإرث ، وإنما يمنع التصرف فتكون
التركة بكمالها كالمرهونة بالدين وإن قل . وكما نورث الأموال تورث الحقوق ، وضبطه المتولي بكل حق لازم تعلق
بالمال كحق الخيار والشفعة بخلاف حق الرجوع في الهبة ، واعترضه المصنف في المجموع بأنه غير جامع لخروج أشياء منه
كحد القذف والقصاص والنجاسات المنتفع بها : كالكلب والسرجين وجلد الميتة . ( قلت ) كالرافعي في الشرح : ( فإن تعلق
بعين التركة حق كالزكاة ) أي كالمال الذي وجبت فيه لأنه كالمرهون بها ، ( والجاني ) لتعلق أرش الجناية برقبته ، ( والمرهون )
لتعلق حق المرتهن به ، ( والمبيع ) بثمن في الذمة ، ( إذا مات المشتري مفلسا ) بثمنه ولم يتعلق بالمبيع حق لازم ككتابة ، سواء أحجر
على المشتري قبل موته أم لا لتعلق حق فسخ البائع به ، ( قدم ) ذلك الحق ( على مؤنة تجهيزه ) وتجهيز ممونه ، ( والله أعلم ) تقديما
لحق صاحب التعلق على حقه كما في حال الحياة ، وليست صور التعلق منحصرة في المذكورات كما أشار إليه بالكاف في
أولها ، والحاصر لها التعلق بالعين ، فمنها ما إذا مات رب المال قبل قسمة مال القراض فإن حق العامل يقدم على مؤنة
التجهيز لتصريحهم هناك بأن حقه يتعلق بالعين ، فإذا أتلفه المالك إلا قدر حصة العامل ومات ولم يترك غيره تعين للعامل .
ومنها المكاتب إذا أدى نجوم الكتابة ومات سيده قبل الايتاء والمال أو بعضه باق كما سيأتي في بابه . ومنها المعتدة عن
الوفاة بالحمل سكناها مقدم على التجهيز . وذكرت صورا أخرى مع نظم فيها مع إشكال للسبكي في صورتي الزكاة ومبيع
المفلس والجواب عنه في شرح التنبيه . واعلم أن الإرث يتوقف على ثلاثة أمور : وجود أسبابه وشروطه وانتفاء موانعه .
وقد شرع المصنف في بيان الأمر الأول فقال : ( وأسباب الإرث ) باستقراء أدلة الشرع ( أربعة ) فلا إرث بغيرها من مؤاخاة
وغيرها مما مر . أولها : ( قرابة ) وهي الرحم فيرث بها بعض الأقارب من بعض في فرض وتعصيب على ما يأتي تفصيله . ( و )
ثانيها : ( نكاح ) صحيح ولو بلا وطئ فيرث به كل من الزوجين الآخر في فرض فقط : ( و ) ثالثها : ( ولاء ) وهي عصوبة سببها
نعمة المعتق مباشرة أو سراية أو شرعا كعتق أصله وفرعه كما سيأتي في محله ، فيرث به المعتق في تعصيب فقط . أما القرابة
والنكاح فللآية . وأما الولاء فلقوله ( ص ) : الولاء لحمة كلحمة النسب صححه ابن حبان والحاكم ، شبه الولاء بالنسب ،
والنسب يورث به فكذا الولاء . ( فيرث المعتق العتيق ) للخبر السابق ( ولا عكس ) أي لا يرث العتيق المعتق حيث تمحض
كونه عتيقا ، وإلا فقد يتصور الإرث بالولاء من الطرفين في مسألتين : إحداهما إذا أعتق ذمي ذميا ثم استلحق السيد بدار
الحرب فاسترقه عتيقه ثم أعتقه ثم أسلما فكل منهما عتيق الآخر ومعتقه فيثبت لكل منهما الولاء على الآخر مباشرة
فيتوارثان . الثانية : أعتق شخص عبدا فاشترى العتيق أبا معتقه فأعتقه ، ثبت لكل منهما الولاء على الآخر السيد بالمباشرة
والعتيق بالسراية ، وهذا مما يلغز به فيقال : لنا شخصان لكل منهما الولاء على الآخر . وقد يختص التوارث بأحد الجانبين
في القرابة أيضا كابن الأخ يرث عمته ولا عكس . ولما كانت الأسباب الثلاثة خاصة لم يفرد كلا منها بالذكر ، ولما كان
الرابع عاما أفرده ، فقال : ( والرابع الاسلام ) أي جهته فإنها الوارثة كالنسب لا المسلمون بدليل ما لو أوصى بثلث ماله
للمسلمين ولا وارث له فإنها تصح ، ولو كان الورثة هم المسلمون لم تصح ، فلما صحت دلت على أن الوارث الجهة . (
فتصرف التركة ) أي تركة المسلم أو باقيها كما سيأتي ، ( لبيت المال ) لا مصلحة كما قيل بل ( إرثا ) للمسلمين عصوبة ( إذا لم
يكن وارث بالأسباب الثلاثة ) المتقدمة ، أو كان ولم يستغرق ، لقوله ( ص ) : أنا وارث من لا وارث له أعقل عنه وأرثه رواه
مغني المحتاج — صفحة 4
مساهمون: الخطيب الشربيني
ص٤