بحال الوفاة ، وسائر العلوم تتعلق بحال الحياة ، وقيل النصف بمعنى الصنف ، قال الشاعر :
إذا مت كان الناس نصفان شامت وآخر مثن بالذي كنت أصنع
وقيل إن العلم يستفاد بالنص تارة وبالقياس أخرى ، وعلم الفرائض مستفاد من النص ، وقيل غير ذلك . وقال عمر
رضي الله تعالى عنه : إذا تحدثتم فتحدثوا في الفرائض وإذا لهوتم فالهوا في الرمي ، واشتهر من الصحابة رضي الله تعالى عنهم
بعلم الفرائض أربعة : علي وابن عباس وزيد وابن مسعود ، ولم يتفق هؤلاء في مسألة إلا وافقتهم الأمة وما اختلفوا إلا
وقعوا فرادى ثلاثة في جانب وواحد في جانب ، واختار الشافعي رضي الله تعالى عنه مذهب زيد ، لأنه أقرب إلى القياس ،
ولقوله ( ص ) : أفرضكم زيد . وعن القفال أن زيدا لم يهجر له قول بل جميع أقواله معمول بها بخلاف غيره . ومعنى اختياره
لمذهبه أنه نظر في أدلته فوجدها مستقيمة فعمل بها لا أنه قلده كما قاله ابن الرفعة في مطلبه ، لأن المجتهد لا يقلد مجتهدا . وذكرت
في شرح التنبيه أنه اجتمع في اسم زيد أصول الفرائض وغالب قواعدها . وعرف بعضهم علم الفرائض بأنه الفقه المتعلق
بالإرث ومعرفة الحساب الموصل إلى معرفة ذلك ومعرفة قدر الواجب من التركة لكل ذي حق . فخرج بالإرث العلم
المتعلق بالصلاة مثلا فلا يسمى علم الفرائض . وعلم الفرائض يحتاج كما نقله القاضي عن الأصحاب إلى ثلاثة علوم : علم
الفتوى بأن يعلم نصيب كل وارث من التركة وعلم النسب بأن يعلم الوارث من الميت بالنسب وكيفية انتسابه للميت ،
وعلم الحساب بأن يعلم من أي حساب تخرج المسألة ، وحقيقة مطلق الحساب أنه علم بكيفية التصرف في عدد لاستخراج
مجهول من معلوم . ( يبدأ ) وجوبا ( من تركة الميت ) وهي ما يخلفه ، فتصدق بما تركه من خمر صار خلا بعد موته ومن شبكة
نصبها فوقع فيها بعد موته صيد فيورث ذلك عنه ، وكذلك الدية المأخوذة في قتله بناء على الأصح من دخولها في ملكه قبيل
موته كما قاله الزركشي . ونظر بعضهم في الصورة الثانية ، فالتعبير بالتركة أولى من التعبير بالمال المتخلف . وعلق بيبدأ
قوله : ( بمؤنة تجهيزه ) بالمعروف بحسب يساره وإعساره ، ولا عبرة بما كان عليه في حياته من إسرافه وتقتيره ، وهي ما يحتاج
إليه الميت من كفن وحنوط وأجرة تغسيل وحفر وغير ذلك لقوله ( ص ) في الذي وقصته ناقته : كفنوه في ثوبيه ولم يسأل
هل عليه دين أو لا ، لاحتياجه إلى ذلك كما تقدم حاجته من ملبس وقوت يوم القسمة على حقوق الغرماء . وإنما يدفع للوارث
ما يستغني عنه المورث ، ولأنه إذا كان يترك للحي عند فلسه دست ثوب يليق به فالميت أولى أن يستر ويوارى ، لأن الحي
يعالج ويسعى لنفسه ، والميت قد انقطع علاجه وسعيه بموته . ويبدأ أيضا بمؤنة تجهيز من على الميت مؤنته إن كان مات
في حياته كما في الروضة في الفلس عن نص الشافعي واتفاق الأصحاب . ويستثنى من إطلاق المصنف المرأة المزوجة وخادمها
فتجهيزهما على زوج غني عليه نفقتهما كما مر في الجنائز ، وكالزوجة البائن الحامل . ( ثم تقضي ) منها ( ديونه ) المتعلقة بذمته
من رأس المال ، سواء أذن الميت في ذلك أم لا لزمته لله تعالى أم لآدمي ، لأنها حقوق واجبة عليه . ويقدم دين الله تعالى
كالزكاة والكفارة والحج على دين الآدمي في الأصح . أما المتعلقة بعين التركة فستأتي ( ثم ) تنفذ ( وصاياه ) وما ألحق بها من
عتق علق بالموت وتبرع نجز في مرض الموت أو ألحق به ، لقوله تعالى : * ( من بعد وصية يوصي بها أو دين ) * . ( من ثلث الباقي )
بعد إخراج دينه كما نبه عليه المصنف بثم ، وحكى القرطبي في تفسيره الاجماع عليه . فإن قيل : ما الحكمة في تقديم الوصية
في الآية على الدين مع أنه مقدم ؟ أجيب بأن الوصية لما أشبهت الميراث في كونها بلا عوض كان في إخراجها مشقة على
الوارث فقدمت حثا على إخراجها ، ولان الوصية غالبا تكون لضعاف فقوى جانبها بالتقديم في الذكر لئلا يطمع فيها
ويتساهل بخلاف الدين ، فإن فيه من القوة ما يغنيه عن التقوية بذلك .
تنبيه : قول المصنف : من ثلث الباقي قد يوهم أنه لو استغرق الدين التركة ، لم تنفذ الوصية ولم يحكم بانعقادها ، حتى
لو تبرع متبرع بقضاء الدين أو أبرأه المستحق منه لا تنفذ الوصية حينئذ ، وليس مرادا بل يحكم بانعقادها وتنفذ حينئذ كما
ذكره الرافعي في باب الوصية . فإن قيل : الوصية في الآية مطلقة فلماذا اعتبرت من الثلث ؟ أجيب بأنها قيدت بالسنة في قوله
مغني المحتاج — صفحة 3
مساهمون: الخطيب الشربيني
ص٣