تنبيه : قد جرت عادة المصنف رحمه الله تعالى أن يذكر أولا محل الاتفاق ثم يذكر المختلف فيه ، فإمكان تسليمه
يصح بالاتفاق وإمكان تسلمه يصح على الصحيح ، فإذن لا اعتراض ، لكن كان الأولى أن يعبر بالقدرة بدل الامكان
كما عبر بها في المجموع ، إذ لا يلزم من ثبوت إمكانه ونفي الاستحالة عند القدرة عليه . ويستثنى من ذلك ما لو باع بنقد
يعز وجوده فإنه يصح بناء على جواز الاستبدال عن الثمن وهو الأصح ، ثم عند التسليم إن وجد فذاك وإلا فيستبدل
. وإذا علم اعتبار قدرة التسليم ( فلا يصح بيع ) ما يتعذر تسليمه كالطير في الهواء ، وإن تعود العود إلى محله لما فيه من
الغرر ، ولأنه لا يوثق به لعدم عقله ، وبهذا فارق صحة بيع العبد المرسل في حاجة . نعم يصح بيع النحل الموثقة أمه
وهي يعسوبه وهو أميره بأن يكون في الكوارة - وهي بضم الكاف وفتحها مع تشديد الواو فيهما ومع تخفيفها في الأولى
الخلية - ، وهي بيت يعمل للنحل من عيدان كما قاله في المحكم ، وقال في الصحاح : هو العسل في شمعه ، ولا معنى له هنا
، وحكي أيضا كسر الكاف مع تخفيف الواو . وفارق بقية الطيور بأنه لا يقصد بالجوارح ، وبأنه لا يأكل عادة إلا مما يرعاه
فلو توقف صحة بيعه على حبسه لربما أضر به . أو تعذر بيعه بخلاف بقية الطيور ، والناد ، ( والضال ) والرقيق المنقطع
خبره ( والآبق والمغصوب ) من غير غاصبه ، للعجز عن تسليم ذلك حالا
. فائدة : الضال لا يقع إلا على الحيوان إنسانا كان وغيره ، وأما الآبق فقال الثعالبي : لا يقال للعبد آبق إلا إذا
كان ذهابه من غير خوف ولا كد في العمل وإلا فهو هارب . قال الأذرعي : لكن الفقهاء يطلقونه عليهما . ( فإن باعه )
أي المغصوب ( لقادر على انتزاعه ) دونه أو الآبق لقادر على رده دونه ، ( صح على الصحيح ) نظرا إلى وصوله إليهما
إلا إن احتاجت قدرته إلى مؤنة فالظاهر البطلان كما قاله في المطلب . والثاني : لا يصح ، لأن التسليم واجب على البائع وهو
عاجز عنه ، أما إذا كان البائع قادرا على انتزاعه أو رده فإنه يصح بلا خلاف كما علم مما مر . قال في المطلب : إلا إذا
كان فيه تعب شديد فينبغي أن يأتي فيه ما في بيع السمك في البركة ، أي وشق تحصيله فيها ، والأصح عدم الصحة .
فإن قيل : منع بيع الضال والآبق والمغصوب مشكل لأن إعتاقهم جائز ، وقد صرحوا بأن العبد إذا لم يكن في شرائه
منفعة إلا حصول الثواب بالعتق كالعبد الزمن صح بيعه ، وإعتاق المبيع قبل قبضه صحيح ويكون قبضا فلم لا يصح
بيع هؤلاء إذا كانوا زمناء ، بل مطلقا لوجود منفعة من المنافع التي يصح لها الشراء . أجيب بأن الزمن ليس فيه
منفعة قد حيل بين المشتري وبينها بخلاف المغصوب ونحوه ، وقضيته أنه إذا لم يكن لهم منفعة سوى العتق يصح
بيعهم ، والظاهر أنه لا يصح مطلقا . وقول الكافي : يصح بيع العبد التائه لأنه يمكن الانتفاع بإعتاقه في التقرب
إلى الله تعالى بخلاف الحمار التائه ، ممنوع . ولا يصح بيع سمك في ماء ، ولو في بركة إ شق تحصيله منها لعدم
قدرته على تسليمه ، فإن سهل تحصيله ولم يمنع الماء رؤيته صح ، وبرج الطائر كالبركة للسمك . وتصح كتابة الآبق
وكذا المغصوب إن تمكن من التصرف ، كما يصح تزويجهما وعتقهما وإن انتفت القدرة على التسليم . ( ولا يصح بيع
نصف ) مثلا ( معين من الاناء والسيف ونحوهما ) كثوب نفيس تنقص بقطعه قيمته للعجز عن تسليم ذلك شرعا
، لأن التسليم فيه لا يمكن إلا بالكسر أو القطع وفيه نقص وتضييع مال وهو حرام ، وفرقوا بينه وبين بيع ما قالوه من
صحة بيع ذراع من أرض بأن التمييز فيها يحصل بنصب علامة بين الملكين بلا ضرر . فإن قيل : قد تتضيق مرافق
الأرض بالعلامة وتنقص القيمة فينبغي إلحاقها بالثوب . أجيب بأن النقص فيها يمكن تداركه بخلافه في الثوب . قال
في المجموع : وطريق من أراد شراء ذراع معين من ثوب نفيس أن يواطئ صاحبه على شرائه ثم يقطعه قبل الشراء
ثم يشتريه فيصح بلا خلاف ، وظاهره أنه لا يحرم القطع ، ووجهه أنه حل لطريق البيع فاحتمل للحاجة ، ولا حاجة
إلى تأخيره عن البيع . وأولى من ذلك كما قال الزركشي أن يشتريه مشاعا ثم يقطعه ، لأن بيع الجزء المشاع جائز مطلقا
ويصير الجميع مشتركا . ولا يصح بيع جذع معين في بناء لأن الهدم يوجب النقص ، ولا بيع بعض معين من جدار إذا
مغني المحتاج — صفحة 13
مساهمون: الخطيب الشربيني
ص١٣