تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحلى — صفحة 59

مساهمون:

ص٥٩
واحتج بعضهم في إيجاب الخطبة بقول الله تعالى : ( وإذ رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك قائما ) . قال أبو محمد : وهذا الاحتجاج لا منفعة لهم فيه في تصويب قولهم ، وإنما فيه أنهم تركوه قائما ، وهكذا نقول ، وإنما هو رد على من قال : إنهم تركوه عليه السلام قاعدا ، وهذا لا يقوله أحد ، وليس في إنكار الله تعالى لتركهم لنبيه عليه السلام قائما - : إيجاب لفرض القيام في الخطبة ، ولا لفرض الخطبة . فإن كان ذلك عندهم كما يقولون فيلزمهم أن من خطب قاعدا فلا جمعة له ولا لهم ، وهذا لا يقوله أحد منهم ، فظهر أن احتجاجهم بالآية عليهم ، وأنها مبطلة لأقوالهم في ذلك لو كانت على إيجاب القيام ، وليس فيها أثر بوجه من الوجوه على إيجاب الخطبة ، إنما فيها أن الخطبة تكون قياما فقط . فان ادعوا اجماعا أكذبهم ما رويناه عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن الحسن البصري : من لم يخطب يوم الجمعة صلى ركعتين على كل حال . وقد قاله أيضا ابن سيرين . وقد أقدم بعضهم - بجاري عادتهم في الكذب على الله تعالى - فقال : إن قول الله تعالى : ( فاسعوا إلى ذكر الله ) إنما مراده إلى الخطبة ، وجعل هذا حجة في إيجاب فرضها . قال أبو محمد : ومن لهذا المقدم ان الله تعالى أراد بالذكر المذكور فيها الخطبة ؟ بل أول الآية وآخرها يكذبان ظنه الفاسد ، لان الله تعالى إنما قال : ( إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله ) ثم قال عز وجل : ( فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله واذكروا الله كثيرا ) فصح ان الله إنما افترض السعي إلى الصلاة إذا نودي لها ، وأمر إذا قضيت بالانتشار وذكره كثيرا ، فصح يقينا ان الذكر المأمور بالسعي له هو الصلاة وذكر الله تعالى فيها بالتكبير ، والتسبيح ، والتمجيد ، والقراءة ، والتشهد لا غير ذلك . ولو كان ما قاله هذا الجاهل لكان من لم يدرك الخطبة ولا شيئا منها وأدرك الصلاة غير مؤد لما افترض الله تعالى عليه من السعي ، وهم لا يقولون : هذا ، وقد قاله من هو خير منهم ، فلا يكذبون ثانية في دعوى الاجماع مموهين على الضعفاء ، وبالله تعالى التوفيق . فان قالوا : لم يصلها عليه السلام قط إلا بخطبة . قلنا : ولا صلاها عليه السلام قط إلا بخطبتين قائما يجلس بينهما ، فاجعلوا كل ذلك فرضا لا تصح الجمعة إلا به ، ولا صلى عليه السلام قط إلا رفع يديه في التكبيرة الأولى ،