صلى الله عليه وسلم صلى في كسوف في صفة زمزم أربع ركعات وأربع سجدات ) ( 1 ) .
فهذه صلاة كسوف كانت بمكة سوى التي كانت بالمدينة ، وما رووا قط عن أحد ان
رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يصل الكسوف إلا مرة . وكسوف الشمس يكون متواترا ، بين
كل كسوفين خمسة أشهر قمرية ، فأي نكرة في أن يصلى عليه السلام فيه عشرات من
المرات في نبوته ؟ ( 2 ) ! .
هامش
( 1 ) قال السيوطي في شرح النسائي ( ج 3 ص 135 ) ( قال الحافظ عماد الدين بن كثير : تفرد النسائي عن عبدة بقوله ( في صفة زمزم ) وهو وهم بلا شك ، فان رسول الله صلى الله عليه وسلم
لم يصل الكسوف إلا مرة واحدة بالمدينة في المسجد ، هذا هو الذي ذكره الشافعي ،
واحمد ، والبخاري ، والبيهقي ، وابن عبد البر ، وأما هذا الحديث بهذه الزيادة فيخشى أن يكون
الوهم من عبدة بن عبد الرحيم هذا ، فإنه مروزي نزل دمشق ثم صار إلى مصر فاحتمل
أن النسائي سمعه منه بمصر ، فدخل عليه الوهم ، لأنه لم يكن معه كتاب وقد أخرجه
البخاري ومسلم والنسائي أيضا بطريق آخر من غير هذه الزيادة . وعرض هذا على الحافظ
جمال الدين المزي فاستحسنه وقال : ( قد أجادوا أحسن الانتقاد ) وقال ابن حجر في التلخيص
( ص 147 ) : ( فيه نظر ، لان الحافظ رووه عن يحيى بن سعيد بدون قوله : في صفة
زمزم كذا هو عند مسلم والنسائي أيضا فهذه الزيادة شاذة )
( 2 ) حقيقة إن الأحاديث التي وردت في وصف صلاة الكسوف مختلفة جدا ، وكثير منها صحيح الاسناد وللعلماء فيها مسلكان : مسلك الجمع بينها بحملها على تعدد حصول الكسوف وصلاته في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وهو الذي ذهب إليه اسحق ورجحه ابن رشد الفيلسوف في بداية المجتهد ( ج 1 ص 167 ) والمؤلف في هذا الكتاب وغيرهم . والمسلك الثاني الترجيح ، قال ابن حجر في الفتح ( ج 2 ص 362 ) : ( نقل صاحب الهدى عن الشافعي واحمد والبخاري أنهم
كانوا يعدون الزيادة على الركوعين في كل ركعة غلطا من بعض الرواة ، فان أكثر طرق
الحديث يمكن رد بعضها إلى بعض ، ويجمعها ان ذلك كان يوم مات إبراهيم عليه السلام
وإذا اتحدت القصة تعين الاخذ بالراجح ) والراجح قطعا هو حديث عائشة الذي فيه ركوعان
في كل ركعة . ومثل هذا الامر لا يكفي فيه الاحتمال فقط بل يجب تحقيقه ، ولئن زعم
بعض علمائنا رحمهم الله ان حساب المنجمين لا يقبل ولا يعتمد ، فإنما ذلك كان ظنا منهم
أنه من باب ( التنجيم ) ولم يعلموا انه حساب دقيق قاطع في الدلالة على مواقيت مثل هذه
الأشياء ، وليس هو من علم الغيب كما يفهم بعض الناس . وكسوف الشمس هو مرور القمر
بينها وبين الأرض ، وخسوف القمر يكون بوقوع ظل الأرض عليه ، لان نوره مستمد
من الشمس فإذا حجب عنه أظلم ولقد كان المتقدمون من علماء الفلك يعرفون الكسوفين
بالاستقراء ، فإنه في كل 6585 يوما وثلث يوم - أي نحو ثمانية عشر عاما واحد عشر
يوما - يحدث سبعون كسوفا منها 29 للقمر و 41 للشمس ، ويكون أقله مرتان ، وإذا
كان قاصرا عليهما كان للشمس وحدها ، وقد يصل إلى سبع مرار ، منها اثنان أو ثلاثة
للقمر ، وأربعة أو خمسة للشمس ، وأما المتأخرون فصاروا يحسبون لذلك حسابا دقيقا
جدا ، حتى يمكن معرفة ما يحدث منها في المستقبل وما حصل في الماضي ، وكسوف القمر
يرى في نصف الأرض كله ، وكسوف الشمس لا يرى إلا في جهات معينة ، بل قد يمر
بدون ان يرى ، والكسوف الكلى - وهو الذي يغطى فيه القمر وجه الشمس كله -
لا يرى إلا في أماكن ضيقة قد لا تزيد على 165 ميلا ، ولا يزيد وقت بقائه على خمس
دقائق أوست . ( وهذه المعلومات اقتبستها من كتاب بسائط علم الفلك للدكتور صروف
ص 27 و 31 ومن دائرة المعارف الفرنسوية الكبرى ج 15 ص 356 ومن دائرة معارف لاروس ج 4 ص 34 وتفضل بترجمتهما صديقي الأستاذ احمد بك وجدى المحامي
بالزقازيق ) فإذا علمنا هذا تبين لنا ان قول المؤلف : ( بين كل كسوفين خمسة أشهر قمرية )
قول قريب من الحقيقة ، ويظهر لي انه كان ذا اطلاع على بعض علم الهيئة والفلك ، وقد
مدح هو ذلك في الملل والنحل ( ج 5 ص 37 ) وقال : إن العلم بهذا ( ينتج منه معرفة رؤية
الأهلة لفرض الصوم والفطر ومعرفة الكسوفين ) . ولقد حاولت كثيرا ان أجد من العلماء بالفلك من يظهر لنا بالحساب الدقيق عدد الكسوفات التي حصلت في مدة إقامة
النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة وتكون رؤيتها بها ممكنة ، وطلبت ذلك من بعضهم مرارا - : فلم
أوفق إلى ذلك ، إلا أنى وجدت للمرحوم محمود باشا الفلكي جزءا صغيرا سماه ( نتائج الافهام
في تقويم العرب قبل الاسلام ) ألفه باللغة الفرنسوية وترجمه إلى العربية الأستاذ العلامة
احمد ذكى باشا وطبع في بولاق سنة 1305 ، وقد حقق فيه بالحساب الدقيق يوم الكسوف
الذي حصل في السنة العاشرة وهو اليوم الذي مات فيه إبراهيم عليه السلام ، ومنه اتضح
ان الشمس كسفت في المدينة المنورة في يوم الاثنين 29 شوال سنة 10 الموافق ليوم
27 يناير سنة 632 ميلادية في الساعة 8 والدقيقة 30 صباحا . وهو يرد أكثر الأقوال
التي نقلت في تحديد يوم موت إبراهيم عليه السلام . وعسى أن يكون هذا البحث والتحقيق
حافزا لبعض النبهاء من العالمين بالفلك إلى حساب الكسوفات التي حصلت بالمدينة في
السنين العشر الأولى من الهجرة النبوية أي إلى وقت وفاته صلى الله عليه وسلم في يوم الأحد 12 ربيع
الأول سنة 11 أو الاثنين 13 منه الموافقان ليومي 7 يونيه سنة 632 و 8 منه ، فإذا عرف
بالحساب عدد الكسوفات في هذه المدة أمكن التحقيق من صحة أحد المسلكين : إما حمل
الروايات على تعدد الوقائع وإما ترجيح الرواية التي فيها ركوعان في كل ركعة وأنا أميل
جدا إلى الظن بأن صلاة الكسوف لم تكن إلا مرة واحدة ، فقد علمنا من رسالة
محمود باشا الفلكي انه حصل خسوف للقمر في المدينة في يوم الأربعاء 14 جمادى الثانية
من السنة الرابعة للهجرة الموافق 20 نوفمبر سنة 625 ولم يرد ما يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم
جمع الناس فيه لصلاة الخسوف ويؤيد هذا ان الأحاديث الواردة في صلاة الكسوف
دالة بسياقها على أن هذه الصلاة كانت لأول مرة ، وان الصحابة لم يكونوا يعلمون ماذا
يصنع رسول الله صلى الله عليه وسلم في وقتها ، وانهم ظنوا انها كسفت لموت إبراهيم ، وان المدة بين
موت إبراهيم عليه السلام وبين موت أبيه صلى الله عليه وسلم لن تزد على أربعة أشهر ونصف ، فلو كان
الكسوف حصل مرة أخرى وقاموا للصلاة لظهر ذلك واضحا في النقل لتوافر الدواعي
إلى نقله كما نقلوا ما قبله بأسانيد كثيرة ، والله أعلم بالصواب