المدرسة الجعفريّة وترويض الصعاب ( 1 ) في سبيلها
كنّا نشهد المتخرّجين من تلك المعاهد المسمومة فنضيق ذرعا ، وينزل بنا منهم همّ مقضّ ، وألم مسهّد ، فنأرق على مضض السليم - كليلة ذي العائر الأرمد - ومن الطبيعي أن ينتج الفكر لنا راحة تضمن ما نصبوا إليه من متاع في علم يرجع لنا اليقظة التي بني عليها تأريخنا المجيد ، وفي مصارعة هذا التيار أوحى إلينا الواجب الديني أن نقوم بتأسيس المدرسة الجعفريّة على الشرط الذي كنّا نفكّر فيه من بعيد ، فأمضيت نيّتي على ذلك متوكّلا على اللّه - عزّ وجلّ - فإيّاه نعبد وإيّاه نستعين .
ثمّ صمدت بهذه المهمّة إلى نفر من أهل الإخلاص والحفيظة من إخواني في صور ، ففزعت فيها إليهم بكلّ رجاء ، فخفّوا إلى مبتغاي ، وصدقوني السعي وراء المهمّة .
وكان الفرنسيّون يومئذ يخطبون ودّنا بواسطة ممثّلهم في الجنوب وكان ممثّلهم يعمل على ذلك لينسينا سيّئآتهم معنا ، وكنّا نحن إذ ذاك نلقاهم على حرف ( 2 ) ، فأوعزوا إلينا أن نؤسّس المعهد في القطعة الرشاديّة التي كانوا كفّوا أيدينا عنها ، فأسرعنا فورا بكلّ همّة وكلّ نشاط إلى عقد ستّة مخازن بطرفها الشمالي ( 3 ) صفّا واحدا جاءت من
شرح
( 1 ) الصعاب : جمع الصعب من الدواب « 1 » ، وراض الدابّة يروضها روضا إذا ذلّلها وعلّمها السير « 2 » .
( 2 ) أي نلقاهم فيالسرّاء دون الضرّاء .
( 3 ) وكانت كثبان الرمال هناك ممتدّة متعالية في طول الأرض وعرضها ، فلاقينا في إزالتها جهدا شديدا ، اشترك فيه معنا أهل القرى المجاورة لصور كلّها متنافسين تنافسا برهنوا به على أنّ همم الرجال تزيل الجبال ، فجزاهم اللّه خير الجزاء .
هامش
( 1 ) - . راجع المعجم الوسيط : 514 « ص . ع . ب » .
( 2 ) - . راجع لسان العرب 164 : 7 ، « ر . و . ض » .