ولتوضيح هذه النقطة على نحو مختصر نقول : اننا نرى بشكل محسوس انّ عالم الوجود يزخر بأنواع مختلفة لكل نوع حياته الخاصة ومساره المعين الذي يسلكه عبر طريق خاص وصولا لغاية حياتية ينشدها ، وبذلك تكمن سعادة كل نوع بطيّ مساره الحياتي دون عقبات وموانع ليصل إلى غايته المنشودة .
وبعبارة أخرى تكمن سعادة كل نوع بطيّه لطريقة الحياة المتناسبة مع ما جهزت به بنيته الوجودية من أدوات ليصل إلى الغاية المحدّدة دون عقبات .
فلحبة الحنطة في مسيرها الحياتي طريق خاص بها ، وفي داخل بنيتها الوجودية ثمة أنظمة وتجهيزات معينة تكون فاعلة في شروط خاصة ، تعمل على جذب ما تحتاج إليه من عناصر وموادّ يتناسب مقدارها مع تحتاجه نبتة الحنطة في نموها وما تقدر على استهلاكه ، وتقودها إلى غايتها المحدّدة . انّ النظام الخاص الذي يتحكم بمسير ونمو نبتة الحنطة وسط محيط خليط من العوامل الداخلية والخارجية ، لا يمكن ان يتخلّف مطلقا ، إذ لم يحصل أبدا ان تغيّر مسار لبذرة الحنطة بعد شوط من النمو ليتماثل مع بيئة الحياة الخاصة لشجرة التفاح مثلا ، حيث لم نر - إلى الآن - بذرة حنطة تحولت بعد جهد إلى شجرة لها جذوع وأغصان وفروع ، ولم نجد أيضا انّ بذرة حنطة انفلتت من نظامها الخاص وسقطت في المسير الحياتي المعيّن للعصفور ، فأنبتت لها منقارا وأصبح لها أجنحة ، ثمّ طارت !
هذه القاعدة تجري في جميع أنواع الوجود ، والانسان بدوره غير مستثنى من هذه الضابطة الكلية . فهو له في حياته مسيره الطبيعي الفطري وغاية مقصودة تمثل سعادته وكماله ، بالإضافة إلى أن بنيته الوجودية مجهزة بأدوات تتشخص له
مقالات تأسيسية في الفكر الإسلامي — صفحة 82
مساهمون: السيد محمدحسين الطباطبائي
ص٨٢