ولذلك لا يستطيع الانسان الفطري الواقعي ان يعيش الحياة ببعد واحد ؛ فيكتفي بالبعد المادي أو المعنوي لوحده .
فمن جهة لا يمكن له ان يعيش في العالم المادي بدون حياة مادية ، ومن جهة ثانية لا معنى لما جبل عليه فطريا من استعداد لمعرفة اللّه وادراك للعبودية من دون الحياة المعنوية .
أما ما لاحظناه سابقا من ميل الديانتين اليهودية والمسيحية إلى أحد الجانبين دون الآخر ، فان حقيقة الامر تعود إلى مقتضيات الزمن ( المرحلية ) التي كانت تملي تقوية أحد البعدين على حساب الآخر .
ففي عهد موسى الكليم ( عليه السلام ) كان بنو إسرائيل يعيشون في مصر تحت وطأة الأسر والاستعباد الفرعوني ، فحرموا من كل المزايا الانسانية وعوملوا معاملة الحيوانات . وحين أنجاهم الكليم ( عليه السلام ) بذل المهم من جهوده في تنظيم حياتهم الداخلية وارساء القوانين الاجتماعية وإعمار الأرض وغير ذلك ، وفي سياق هذا المسار خصّص هامشا لتوجيههم نحو الحياة المعنوية .
اما حين بعث السيد المسيح ( عليه السلام ) فانّ بني إسرائيل وان كانوا تحت سيطرة الروم ، إلّا انهم كانوا ينعمون بأنظمة اجتماعية متّسقة . بيد انّ الروحانيين ( العلماء والأحبار ) والمتنفّذين كانوا قد جعلوا التوراة في ذمّة النسيان ، واتخذوا الجانب المعنوي وسيلة للمكاسب المادية واستغلال الناس .
لذلك انصرفت همة السيّد المسيح لإحياء الجانب المعنوي وهدايتهم إليه .
اما الاسلام فقد جاءت نظمه - كما أشرنا - لتختطّ مسارا وسطا بين الحياتين المادّية والمعنوية . وفي هذا الاختيار عمد الاسلام - في الحقيقة إلى تحقيق
مقالات تأسيسية في الفكر الإسلامي — صفحة 51
مساهمون: السيد محمدحسين الطباطبائي
ص٥١