المصالحة بين نمطين حياتيين متضادّين بشكل كامل ، فمزج فيما بينهما بحيث لم يعد ثمة خيار امام الانسان لبلوغ كماله سوى ذلك ، إذ أضحى من البيّن انّ كل موجود من الموجودات يطوي طريقه نحو كماله الذي يعدّ هدفا لوجوده ، عن طريق فعالياته الفطرية ، ونوع هذه الفعاليات يرتبط بدوره بما زوّد به من قدرات وأدوات .
والانسان كأحد الموجودات لا يمكن ان يخرج عن اطار هذه القاعدة الكلية والناموس العام . فللانسان نفس ( روح ) خلقت للحياة الأبدية بحيث لا يمكن التفريط أو الفرار من هذا المصير أبدا ، وانما بمقدور الانسان ان يصل بفعاله الحسنة إلى كماله الذي يعدّ بدوره أبلغ من كلّ سعادة .
بيد انّ هذه النفس السماوية ليست عائمة وانما هي مرتبطة ببدن أرضي ، تثوي فيه أدوات فعلها ، بحيث تضفي القوى والقدرات التي تستثمر الأدوات وتحرّك أنظمة العمل نوعا من الارتباط بهذا البدن .
علاوة على ذلك ، فانّ خلقة الانسان تهديه إلى الاجتماع والحياة المدنية . ومن المؤكد انّ هذه الهداية تبلغ به أهداف الحياة وكماله النوعي ، وهذا الكمال بدوره ينطبق في الواقع مع السعادة والكمال اللذين عيّنهما له نظام الخلق ( الوجود ) خلافا لما يتصوره - سعادة وكمالا - أو ما تهديه إليه أفكاره السقيمة المنحرفة .
فكمال شجرة الورد يكمن فعلا في نموها وتفتّحها الطبيعي ويرتد إلى ( ما تهدي إليه ) طبيعتها النباتية ، ولا يتمثل ( الكمال ) بأن توضع في اناء فخاري مذهّب في زاوية من زوايا قصر فخم .
لذلك كيف يمكن للانسان ان يبلغ كماله ويحقق سعادته الواقعية كاملة من
مقالات تأسيسية في الفكر الإسلامي — صفحة 52
مساهمون: السيد محمدحسين الطباطبائي
ص٥٢