تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مقالات تأسيسية في الفكر الإسلامي — صفحة 54

مساهمون:

ص٥٤
يتضح مما مرّ أنّ الاسلام نظّم الحياة بشكل يجعل الحياة الاجتماعية المادية للانسان محضنا تنمو من خلاله الحياة المعنوية وتينع وتزدهر . فالنور المعنوي الذي يتحلى به الفرد المسلم من خلال تنفيذه لتعاليم الاسلام على الصعيدين الفردي والاجتماعي ، يجعله نقيا طاهرا ، فهو يمارس الحياة مع الناس دون انقطاع عن اللّه ، وهو في الناس ولكن من دون ان ينفصل عن عالم السّر الخاص ، وهو يسعى لتحقيق مقاصده المادية ويواجه الحياة بحلوها ومرّها ، بمسرّاتها وغصصها ، لأنه جزء من هذا العالم تجري عليه حوادثه ، بيد انّه يفعل ذلك بقلب يقظ وعالم هادئ ، وهو أينما يلتفت لا يرى سوى اللّه . يقول تعالى :
فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ
« 1 » . وهكذا يجد المسلم انّ ممارسته للحياة المادية تستبطن ازدهار الحياة المعنوية وتفتّحها ، فهو أينما كان ولأيّ عمل اتجه يجد السبل سالكة به ، إلى ربّه وكل ممارسة مادية يجد فيها مرآة تدلّه على خالقه . أما الآخرون فهم حين يميلون إلى جانب الحياة المعنوية ويفكرون بها ، نراهم يفترضون الحياة العادية التي فطروا عليها حجابا بينهم وبين الحقيقة التي يبحثون عنها . لذلك يتخلون عن الحياة العادية ، كما هو شأن رهبان النصارى وبراهمة الهنود واتباع رياضة « اليوغا » الذين يسلكون طريقا غير معتاد لطي المسافة نحو الحياة المعنوية والتكامل الروحي . وايا كان نوع هذا الطريق ، فانّ سلوكه يعدّ امرا صعبا للانسان العادي الذي يعيش حياته المادية ، حيث يحتاج إلى إرادة صلبة وقوية جدا .
هامش
( 1 ) البقرة : 115
مقالات تأسيسية في الفكر الإسلامي — صفحة 54 | السيد محمدحسين الطباطبائي / جواد علي كسار