وبعبارة أخرى : الاضرار بالغير من المحرمات فكما يرتفع حرمته بالاكراه ،
كذلك يرتفع بالاضطرار لأن نسبة الرفع إلى ما أكرهوا عليه ، وما اضطروا إليه على
حد سواء مدفوع بالفرق بين المثالين في الصغرى بعد اشتراكهما في الكبرى المتقدمة ،
وهي أن الضرر المتوجه إلى شخص لا يجب دفعه بالاضرار بغيره بأن الضرر
في الأول متوجه إلى نفس الشخص فدفعه عن نفسه بالاضرار بالغير ، غير
جائز { 1 } وعموم رفع ما اضطروا إليه لا يشمل الاضرار بالغير المضطر إليه لأنه
مسوق للامتنان على الأمة فترخيص بعضهم في الاضرار بالآخر لدفع الضرر عن
نفسه وصرف الضرر إلى غيره مناف للامتنان بل يشبه الترجيح بلا مرجح فعموم
ما اضطروا إليه في حديث الرفع مختص بغير الاضرار بالغير من المحرمات .
وأما الثاني : فالضرر فيه أولا وبالذات متوجه إلى الغير بحسب إلزام
المكره { 2 } بالكسر وإرادته الحتمية والمكره بالفتح وإن كان مباشرا إلا أنه
شرح
اللهم أن يقال : إن المراد بها أنه إنما قررت التقية لئلا ينتهي آخر الأمر إلى إراقة الدم ،
وإن كان في أول الحال يجوز التقية لغيرها .
وبعبارة أخرى : العمدة في مصلحة التقية حفظ النفس فلا تنافي جوازه التقية لغيره
أيضا كحفظ المال أو العرض ، وعلى ذلك فهي مسوقة لبيان عدم جواز التقية في تلف النفس
لا لجوازها في غير ذلك المورد كي يستفاد منها جواز إضرارا لغير لدفع الضرر عن نفسه .
الوجه الرابع : ما يكون مركبا من صغرى ، وكبرى .
{ 2 } أما الأولى : فهي أن مورد الاكراه الضرر متوجه إلى الغير ابتداء بحسب اكراه
المكره ( بالكسر ) وإرادته الحتمية والمكره ( بالفتح ) . وإن كان مباشرا ، إلا أنه ضعيف لا
ينسب إليه توجيه الضرر إلى الغير حتى يقال إنه أضر بالغير كي لا يتضرر نفسه ، نعم لو
تحمل الضرر ولم يضر بالغير فقد صرف الضرر عن الغير إلى نفسه عرفا .
{ 1 } وأما الثانية : فهي أن المستفاد من الأدلة : إن تشريع نفي الاكراه إنما هو لدفع
الضرر ، فلا يجوز دفع الضرر عن نفسه بالاضرار بالغير ، ولا يلزم تحمله لدفعه عن الغير