المناظرة السادسة والعشرون
مناظرة
ابن عباس مع ابن الزبير ( 1 ) في حكم المتعة
خطب ابن الزبير بمكة المكرمة على المنبر وابن عباس جالس مع الناس
تحت المنبر فقال : إن ها هنا رجلا قد أعمى الله قلبه كما أعمى بصره ، يزعم أن
متعة النساء حلال ( 2 ) من الله ورسوله ، ويفتي في القملة والنملة ، وقد احتمل بيت
هامش
( 1 ) هو : عبد الله بن الزبير بن العوام أمه أسماء بنت أبي بكر ، هاجرت أمه أسماء من مكة إلى المدينة
وهي حامل به فولدته في سنة اثنين من الهجرة ، وقيل : ولد في السنة الأولى ، وحضر عبد الله
الجمل مع أبيه وخالته لقتال أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، عرف بمواقفه العدائية لأهل البيت ( عليهم السلام ) ، وقيل
هو الذي أخرج محمد بن الحنفية من مكة والمدينة ، ونفى عبد الله بن عباس إلى الطائف ، وقال
فيه أمير المؤمنين ( عليه السلام ) : ما زال ابن الزبير منا أهل البيت حتى نشأ ابنه عبد الله ، وهو أيضا الذي
جمع محمد بن الحنفية وعبد الله بن عباس في سبعة عشر رجلا من بني هاشم ، منهم الحسن بن
الحسن بن علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) وحصرهم في شعب مكة وهددهم بضرب أعناقهم أو حرقهم
بالنار ، أو يبايعوه ، وحصلت بينه وبين عبد الله بن عباس محاورات ومواقف سجلها التاريخ
والتي منها دخول ابن عباس عليه مرة فأخذ يؤنبه ويعنفه ! فقال له عبد الله : والله إني لأكتم
بغضكم أهل هذا البيت منذ أربعين سنة ، دعى الناس إلى بيعته وطاعته ، وقد كانت نهاية أمره أن
حاصره الحجاج بمكة نحو ستة أشهر إلى أن قتله وصلبه في سنة 73 ه .
راجع ترجمته في : شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : ج 4 ص 79 ج 20 ص 102 - 149 ،
مروج الذهب : ج 2 ص 76 ، الأغاني لأبي فرج الإصفهاني : ج 14 ص 217 .
( 2 ) قول ابن عباس بحلية المتعة مما لا ينكره أحد ، فقد كان يعلن بإباحتها صريحا حتى شاع وذاع
تحليله لها ونظم على ألسنة الشعراء ، فقال بعضهم :
قد قلت للشيخ لما طال مجلسه * يا صاح هل لك في فتوى ابن عباس
وهل ترى رخصة الأطراف ناعمة * تكون مثواك حتى مرجع الناس
وقد نص على حليتها أهل البيت ( عليهم السلام ) ورواياتهم في ذلك متواترة وواضحة ، كما ثبت على
حليتها كثير من الصحابة والتابعين ، قال ابن حزم في المحلى : ج 5 ص 519 - 520 في مسألة
رقم : 1854 : وقد ثبت على تحليلها بعد رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) جماعة من السلف منهم من الصحابة :
أسماء بنت أبي بكر الصديق وجابر بن عبد الله وابن مسعود وابن عباس ومعاوية بن أبي سفيان
وعمرو بن حريث وأبو سعيد الخدري وسلمة ومعبد أبناء أمية بن خلف ، ورواه جابر بن عبد الله
عن جميع الصحابة مدة رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ومدة أبي بكر وعمر إلى قرب آخر خلافة عمر ، ومن
التابعين طاووس وعطاء وسعيد بن جبير ، وسائر فقهاء مكة أعزها الله ، وقد تقصينا الآثار
المذكورة في كتابنا الموسوم بالإيصال . انتهى . وقال الشريف المرتضى في جواب قاضي القضاة
: فأما ادعاؤه أن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) أنكر على ابن عباس إحلالها ، فالأمر بخلافه وعكسه ، فقد
روي عنه ( عليه السلام ) بطرق كثيرة أنه كان يفتي بها ، وينكر على من حرمها وينهى عنها ، وروى عمر بن
سعد الهمداني ، عن حبيش بن المعتمر ، قال : سمعت أمير المؤمنين ( عليه السلام ) يقول : لولا ما سبق من
ابن الخطاب في المتعة ما زني إلا شقي ، وروى أبو بصير ، قال : سمعت أبا جعفر محمد بن علي
الباقر ( عليه السلام ) يقول : سمعت علي بن الحسين ( عليه السلام ) يروي عن جده أمير المؤمنين ( عليه السلام ) : لولا ما سبقني
به ابن الخطاب ما زنى إلا شقي .
وقد أفتى بالمتعة جماعة من الصحابة والتابعين كعبد الله بن عباس ، وعبد الله بن مسعود ، وجابر
بن عبد الله الأنصاري ، وسلمة بن الأكوع ، وأبي سعيد الخدري ، وسعيد بن جبير ، وابن جريح ،
ومجاهد ، وغير ما ذكرنا ممن يطول ذكره ، فأما سادة أهل البيت ( عليهم السلام ) وعلماؤهم فأمرهم واضح
في الفتيا بها ، كعلي بن الحسين زين العابدين ( عليه السلام ) ، وأبي جعفر الباقر ( عليه السلام ) ، وأبي عبد الله الصادق
( عليه السلام ) ، وأبي الحسن موسى الكاظم ( عليه السلام ) ، وعلي بن موسى الرضا ( عليه السلام ) ، وما ذكرنا من فتيا من أشرنا
إليه من الصحابة بها يدل على بطلان ما ذكره صاحب الكتاب من ارتفاع النكير لتحريمها ، لأن
مقامهم على الفتيا بها نكرة .
راجع : الشافي في الإمامة للمرتضى : ج 4 ص 197 - 199 ، وعنه ابن أبي الحديد في شرح نهج
البلاغة : ج 12 ص 253 - 254 .
وابن جريح المذكور آنفا هو من التابعين الذين يرون حلية المتعة وهو : عبد الملك بن عبد العزيز
بن جريح ، أبو خالد المكي ، المولود سنة ثمانين والمتوفى سنة تسع وأربعين ومائة ، عد في كتب الرجال والحديث من أعلام التابعين ، كما احتج به أهل الصحاح ، ذكره الذهبي في ميزانه وقال
عنه : وهو في نفسه مجمع على ثقته مع كونه قد تزوج نحوا من سبعين امرأة نكاح المتعة ، كان
يرى الرخصة في ذلك ، وكان فقيه أهل مكة في زمانه .
راجع : ميزان الاعتدال : ج 2 ص 659 ترجمة رقم : 5227 ، شرح الزرقاني على مختصر أبي
الضياء : ج 8 ص 76 .