في الدنيا والآخرة وأعد لهم عذابا مهينا ) * ( 1 ) .
ومنها : منع عمر النبي ( صلى الله عليه وآله ) من الكتاب الذي أراد أن يكتبه قبل موته وأخبر
أننا لا نضل بعده أبدا ، - وقال - : دعوه فإنه يهجر ( 2 ) حسبنا كتاب ربنا ، وهذا رد
على رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) الذي لا ينطق عن الهوى ، ولو خاطب أحدنا مثله بذاك لعد
مسيئا للأدب فما ظنك بسيد المرسلين ومنعه من هذا الكتاب الذي كان فيه هداية
أمته إلى يوم القيامة .
ومن المشهور وصرح عمر به في بعض مجالسه أنه ما منعه من مكاتبته
وساعده بعضهم ، إلا خوفا من أن ينص على ابن عمه ( 3 ) فيزول عنه ما كان قرره
هامش
( 1 ) سورة الأحزاب : الآية 57 .
( 2 ) راجع : صحيح مسلم : ج 3 ص 1259 ح 21 و 22 ، الملل والنحل للشهرستاني : ج 1 ص 29 ،
مسند أحمد بن حنبل : ج 1 ص 222 و 293 و 355 ، صحيح البخاري : ج 1 ص 39 وج 4 ص
85 و 121 ، الكامل في التاريخ لابن الأثير : ج 2 ص 320 ، الطبقات الكبرى لابن سعد : ج 2
ص 242 - 245 ، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : ج 2 ص 55 وج 6 ص 51 ، بحار الأنوار
للمجلسي : ج 22 ص 468 .
( 3 ) راجع : كشف اليقين في فضائل أمير المؤمنين للحلي : ص 462 - 463 ح 562 ، كشف الغمة :
ج 2 ص 46 ، بحار الأنوار : ج 38 ص 156 - 157 .
وممن روى ذلك أيضا ابن أبي الحديد المعتزلي في شرح النهج : ج 12 ص 21 وص 78 -
79 : في قول الخليفة لابن عباس عن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) : أظنه لا يزال كئيبا لفوت الخلافة ،
فقال له ابن عباس : هو ذاك ، إنه يزعم أن رسول الله أراد الأمر له ! فقال : يا بن عباس وأراد رسول
الله ( صلى الله عليه وآله ) الأمر له فكان ماذا ؟ إذا لم يرد الله تعالى ذلك ، إن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) أراد أمرا وأراد الله غيره ،
فنفذ مراد الله تعالى ولم ينفذ مراد رسوله ، أو كلما أراد رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) كان ؟ ! !
أقول : كيف ينسب إلى رسول الله مخالفته لإرادة الله تعالى ، والحال أن النبي ( صلى الله عليه وآله ) نفسه يدعو
الناس إلى عدم مخالفة أمر الله وإرادته ، فكيف يعمل على خلاف إرادة الله ، فعلى هذا
يكون الخليفة أحرص من النبي ( صلى الله عليه وآله ) على تحقيق مراد الله تعالى في الأمة ، وهل يلتزم بذلك أحد ، هذا
والقرآن ينص صريحا في رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) * ( وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى ) * النجم /
3 ، وقال تعالى : * ( ولو تقول علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين ، ثم لقطعنا منه الوتين ) *
الحاقة / 46 .
قال ابن أبي الحديد : وقد روي معنى هذا الخبر بغير هذا اللفظ ، وهو قوله : إن رسول الله ( صلى الله عليه وآله )
أراد أن يذكره للآمر في مرضه - يعني عليا ( عليه السلام ) - فصددته عنه خوفا من الفتنة ، وانتشار أمر
الإسلام ، فعلم رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ما في نفسي وأمسك ، وأبى الله إلا إمضاء ما حتم ! ! وهذا أيضا مثل
سابقه إن لم يكن أعظم فهل كان رسول الله لا يعلم بما يصلح المسلمين ، بحيث كان يعين لهم
خليفة يكون في تنصيبه لهم فتنة تضر بالإسلام والمسلمين ، مع أن أمر الخلافة والإمامة بيد الله
تعالى والنبي ( صلى الله عليه وآله ) ليس هو إلا مبلغ كما في قوله تعالى : * ( يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من
ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس ) * ، وثانيا من أين علم أن الله تعالى
أمضى ما حتم ؟ فإن كان يقصد بالإمضاء الإمضاء التكويني فالله تعالى لا يجبر العباد على
أفعالهم ، وإن كان ذلك في علمه تعالى وعلى خلاف أمره وإن كان مراده بالإمضاء الإمضاء
التشريعي فهذا يحتاج إلى علم الغيب والاطلاع على ما في اللوح المحفوظ ، وثانيا كيف يمضي
الله تعالى أمرا هو على خلاف أمره ويعد عصيانا في حقه ، تعالى الله عن ذلك ، فيكون الإمام
مأموما والمأموم إماما بين عشية وضحاها .