والجواب الآخر : أن الله سبحانه إذا رد الكافرين في الرجعة لينتقم منهم لم
يقبل لهم توبة ، وجروا في ذلك مجرى فرعون لما أدركه الغرق * ( قال آمنت أنه لا
إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين ) * ( 1 ) ، قال الله سبحانه :
* ( الآن وقد عصيت من قبل وكنت من المفسدين ) * ( 2 ) فرد الله عليه إيمانه ، ولم
ينفعه في تلك الحال ندمه وإقلاعه ( 3 ) ، وكأهل الآخرة الذين لا تقبل لهم توبة ولا
ينفعهم ندم ، لأنهم كالملجئين إذ ذاك إلى الفعل ، ولأن الحكمة تمنع من قبول التوبة
أبدا ، وتوجب اختصاص بعض الأوقات بقبولها دون بعض .
هامش
( 1 ) سورة يونس : الآية 90 .
( 2 ) سورة يونس : الآية 91 .
( 3 ) روي عن إبراهيم بن محمد الهمداني ، قال : قلت للرضا ( عليه السلام ) : لأي علة أغرق الله فرعون وقد
آمن به وأقر بتوحيده ؟ قال : لأنه آمن عند رؤية البأس ، والإيمان عند رؤية البأس غير مقبول ،
وذلك حكم الله تعالى ذكره في السلف والخلف ، قال الله عز وجل : * ( فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا
بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا ) * وقال عز وجل :
* ( يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها
خيرا ) * وهكذا فرعون لما أدركه الغرق قال : * ( آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا
من المسلمين ) * فقيل له : * ( الآن وقد عصيت من قبل وكنت من المفسدين ) * . بحار الأنوار : ج 6
ص 23 ح 25 .
ومما يدل أيضا على عدم قبول التوبة ممن رأى البأس - كفرعون الذي آمن حينما عاين
العذاب - هو ما روي عن الإمام الرضا ( عليه السلام ) وذلك أنه أتي المأمون بنصراني قد فجر بهاشمية فلما
رآه أسلم فغاظه ذلك ، وسأل الفقهاء فقالوا : هدر الإسلام ما قبله فسأل الرضا ( عليه السلام ) فقال : اقتله
لأنه أسلم حين رأى البأس ، قال الله عز وجل : * ( فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده . . . . ) * ( بحار
الأنوار : ج 49 ص 172 ح 9 ) ، ومثل هذه الواقعة حصلت أيضا في زمن الإمام الهادي ( عليه السلام )
فأجاب بنفس الجواب السابق . راجع : بحار الأنوار : ج 50 ص 172 ح 51 .