تصرفات كلها هادفة .
وأول ما يبحث عن التفسير احتضانه للإمام علي ( عليه السلام ) من بداية حياته
والإشراف على تربيته بنفسه وهو صبي ، ثم وضع مخطط لإبعاده عن جميع
الأجواء المعاشة إذ ذاك لأمثاله من صبيان قريش ، يقول الإمام علي ( عليه السلام ) وهو
يتحدث في نهجه الخالد عن لون تربيته في هذه الفترة : " وضعني في حجره -
يعني رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) - وأنا ولد ، يضمني إلى صدره ، ويكنفني في فراشه ، ويمسني
جسده ، ويشمني عرفه ، وكان يمضغ الشئ ثم يلقمنيه ، ولقد كنت أتبعه اتباع
الفصيل أثر أمه ، يرفع لي في كل يوم من أخلاقه علما ، ويأمرني بالاقتداء به ،
ولقد كان يجاور في كل سنة حراء ( 1 ) ، فأراه ولا يراه غيري " ( 2 ) .
وهذه الخطوط التي رسمها الإمام لأسلوب تربيته على يد النبي ( صلى الله عليه وآله ) ليست
طبيعية لو لم يكن الهدف منها أسمى من وجهها البارز ، فهي تريد له الإبعاد عن
جميع الأجواء التي كانت سائدة إذ ذاك ، مع بنائه على لون من السلوك يختلف
عنها في جملة ما له من خطوط ، فهو ( صلى الله عليه وآله ) يرفع في كل يوم من أخلاقه علما
ويأمره بالاقتداء به ، ولا يكتفي بذلك دون أن يصحبه حتى لمواقع تحنثه وعبادته
في غار
هامش
( 1 ) حراء : جبل من جبال مكة ، على ثلاثة أميال ، كان يأنس به رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ويعتزل للعبادة فيه ،
وكان يغدو إليه كل يوم يصعده وينظر من قلله إلى آثار رحمة الله وبدايع حكمته ، إن أن نزل عليه
جبرئيل ( عليه السلام ) وقال : * ( إقرأ باسم ربك الذي خلق ) * ، وجاء في كتاب ( الأنوار ) للشيخ البكري في
ذكر مقدمات تزويج رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) بخديجة ( عليه السلام ) : سار إليه العباس في جبل حراء فإذا هو فيه
نائما في مرقد إبراهيم الخليل ( عليه السلام ) ملتفا ببردة وعند رأسه ثعبان عظيم في قمه طاقة ريحان
يروحه بها . راجع : سفينة البحار للقمي : ج 1 ص 246 - 247 ، مراصد الاطلاع : ج 1 ص 388 ،
بحار الأنوار : ج 16 ص 26 .
( 2 ) نهج البلاغة ، تحقيق صبحي الصالح : ص 299 - 300 رقم الخطبة : 192 ، بحار الأنوار : ج 14
ص 475 ح 37 وج 38 ص 320 .