المناظرة الثانية
مناظرة
أمير المؤمنين ( عليه السلام )
مع رجل من أهل الشام في القضاء والقدر
قال الشيخ الصدوق - عليه الرحمة - : وأخبرني الشيخ أدام الله عزه
مرسلا عن عمرو بن وهب اليماني قال : حدثني عمرو بن سعد عن محمد بن
جابر عن أبي إسحاق السبيعي قال : قال شيخ من أهل الشام حضر صفين مع
أمير المؤمنين ( عليه السلام ) بعد انصرافهم من صفين : أخبرنا يا أمير المؤمنين عن مسيرنا
إلى الشام ، أكان بقضاء من الله وقدر ؟
قال : نعم يا أخا أهل الشام ، والذي فلق الحبة وبرأ النسمة ، ما وطئنا
موطئا ، ولا هبطنا واديا ، ولا علونا تلعة ، إلا بقضاء من الله وقدر . ( 1 )
هامش
( 1 ) قيل إن القضاء والقدر هو : الأمر من الله تعالى والحكم بمعنى أنه تعالى بين ذلك وكتبه وأعلم
أنهم سيفعلون ذلك في اللوح المحفوظ وبينه لملائكته ، وقدر ذلك في سابق علمه وقد اشتهر في
الحديث النبوي الشريف إن كل شئ بقضاء وقدر ، وإنه يجب الإيمان بالقدر خيره وشره ، وأن
أفعال العباد واقعة بقضاء الله وقدره ، لا بمعنى أنه تعالى خلق أفعالهم وأوجدها - كي ينسب فعل
العباد له - إذ لو كان بهذا المعنى لسقط اللوم عن العاصي وعقابه ، ولم يستحق المطيع الثواب على
عمله ، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا .
فالأفعال الصادرة من العبد كلها واقعة بقدرته واختياره غير مجبور على فعله ، بل له أن
يفعل غير مضطر ، وله أن لا يفعل غير مكره . وهذا ما جاء عن أئمة الهدى - صلوات الله وسلامه عليهم - ، قال إمامنا الصادق ( عليه السلام ) : لا جبر ولا تفويض ، ولكن أمر بين أمرين . وهذا ما ذهبت إليه
الإمامية ومن حذا حذوهم .
فأفعال العباد واقعة تحت قدرتهم واختيارهم ، ولكن غير خارجة عن قدرة الله تعالى ، إذ هو
المفيض على الخلق ، فليست أفعالهم واقعة تحت الجبر بتمكينه لهم ، ولم يفوض لهم خلق
الأفعال فتكون خارجة عن قدرته وسلطانه ، بل له الحكم والأمر ، وهو على كل شئ قدير .
وهناك من ذهب إلى أن الفاعل لأفعال المخلوقين من المعاصي هو الله تعالى ومع ذلك
يعاقبهم عليها وهو الفاعل للطاعة ومع ذلك يثيبهم عليها ، وأنه لا فعل للعبد أصلا - وهم المجبرة
- ولا فاعل سواه ولا شريك له في ذلك فنسبوا إلى الله الظلم بمقالتهم هذه ، تعالى الله عن ذلك
علوا كبيرا ، وقد فند أمير المؤمنين ( عليه السلام ) مقالتهم هذه وزعمهم الباطل قال ( عليه السلام ) : ( لو كان كذلك
لبطل الثواب والعقاب ) إذ كيف يجبرهم على الطاعة ثم يثيبهم على عمل لم يصدر منهم ، وكيف
يجبرهم على المعصية ثم يعاقبهم عليها إذ لا عقاب على عمل لم يفعله العبد ( وسقط الوعد
والوعيد ) الوعد على الطاعة بالثواب ، والوعيد على المعصية بالعقاب حيث إنه تعالى وعد
المطيعين بالثواب الجزيل ، وأوعد العاصين بالعقاب ، ولا يكون ذلك إلا باختيارهم وإرادتهم ،
ولذا أمرهم تعالى ونهاهم وأرسل الرسل لهم وأنزل الكتب عليهم وكلفهم ، ومع الجبر لا قدرة لهم
فلا تكليف فيبطل كل ذلك ما داموا مجبورين على أفعالهم . وليس هناك أدل من الوجدان على
قدرة العبد واختياره وإنه غير مجبور على فعله فله أن يفعل وله أن لا يفعل وهو الصواب ، ولذا
نجد القرآن الكريم ينسب الأفعال إلى أصحابها ويحملهم مسؤولية أفعالهم إن خيرا فخير وإن
شرا فشر . فمن تلك الآيات الشريفة قوله تعالى : * ( من يعمل مثقال ذرة ) * ، * ( من يعمل سوءا يجز
به ) * ، * ( كل امرئ بما كسب رهين ) * ، * ( جزاءا بما كانوا يعملون ) * إلى غير ذلك من آيات الوعد
والوعيد والذم والمدح .
وقد سئل الإمام أبو الحسن الهادي - صلوات الله عليه - عن أفعال العباد ، فقيل له : هل هي
مخلوقة لله تعالى ؟ فقال ( عليه السلام ) لو كان خالقا لها لما تبرأ منها وقد قال سبحانه : * ( إن الله برئ من
المشركين ورسوله ) * التوبة / 3 .
راجع : كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد : ص 315 ، تصحيح الاعتقاد - من مصنفات
الشيخ المفيد - : ج 5 ص 43 ، الباب الحادي عشر للعلامة الحلي : ص 59 ، حق اليقين في معرفة
أصول الدين لشبر : ج 1 ص 60 ، عقائد الإمامية للمظفر : ص 267 .