وقد اقتضى هذا الجواب أن تعذيبه الزائد على مدة كفره هو عذاب على ما
لم يفعله ، ولو جاز ذلك لجاز أن يبتدئ خلقا ، ثم يعذبه من غير أن يبقيه ويقدره ،
ويكلفه ، إذا علم منه أنه إذا أبقاه ، وأقدره ، وكلفه ، كان كافرا جاحدا لأنعمه ، وقد
أجمع أهل العدل على أن ذلك لا يجوز منه سبحانه ، وهو كالأول بعينه في
العذاب ، للعلم بالكفر قبل وجوده ، لا على ما فعله وأحدثه ، وقبحها يشهد العقل
به ويدل عليه ، تعالى الله عن إضافة القبيح إليه .
فعلم أنه لا يعتبر في الجواب عن هذا السؤال بما أورده هذا الحاكي عن
الشافعي ، وأن المصير إلى ما قدمناه من الجواب عنه أولى ، والحمد لله .
فلما سمع المتفقه طعني فيما أورده ، وقولي إن الشافعي ليس من أهل العلم
بهذه الصناعة ، ولا له فيها بضاعة ، ظهرت إمارات الغضب في وجهه ، وتعذر عليه
نصرة ما جاء به ، كما تعذر عليه وعلى غيره ممن حضر القدح فيما كنت أجبت
به ، فتعمد لقطع ما كنا فيه بحديث ابتداه لا يليق بالمجلس ولا يقتضيه .
فبينا نحن كذلك إذ حضر رجل ، كانوا يصفونه بالمعرفة ، وينسبونه إلى
الاصطلاح بالفلسفة ، فلما استقر به المجلس ، حكوا له السؤال ، وبعض ما جرى
فيه من الكلام .
فقال الرجل : هذا سؤال يلزم الكلام فيه ، ويجب على من أقر بالشريعة ،
طلب جواب صحيح عنه ، يعتمد عليه .
مناظرات في العقائد والأحكام — صفحة 106
مساهمون: الشيخ عبد الله الحسن
ص١٠٦