الجوابين لا يكاد يخفى عمن له أدنى تحصيل .
أما الأول منهما وهو : مماثلته بيت إدامة الثواب والعقاب ، فإنه خطأ في
العقل والقياس ، وذلك أن مبتدئ النعم المتصلة في تقدير زمان أكثر من زمان
الطاعة ، إن لم يكن ما يفعله مستحقا ، كان تفضلا ، ولا يقال للمتفضل المحسن : لم
تفضلت وأحسنت ، ولا للجواد المنعم ، لم جدت وأنعمت .
وليس كذلك المعذب على المعصية في تقدير زمان زائد على زمانها ، لأن
ذلك إن لم يكن مستحقا كان ظلما ، تعالى الله عن الظلم ، فالمطالبة بعلة المماثلة
بين الموضعين لازمة ، والمسألة مع هذا الجواب عما يوجب التخليد قائمة .
والعقلاء مجمعون على أن من أعطى زيدا على فعله أكثر من مقدار أجره ، فليس
له - قياسا على ذلك - أن يعاقب عمرا على ذنبه بأضعاف ما يجب في جرمه .
وأما جوابه الثاني فهو وإن كان ذكره بعض الناس ، لاحق بالأول في
السقوط ، لأنه لو كان تعذيب الله عز وجل للكافر بعذاب الأبد ، إنما هو لأنه علم
منه أنه لو بقي أبدا كافرا ، لكان إنما عذبه على تقدير كفر لم يفعله ، وهذا هو الظلم
في الحقيقة ، الذي يجب تنزيه الله تعالى عنه ، لأن العبد لم يفعل الكفر إلا مدة
محصورة ( 1 ) .
هامش
( 1 ) وقد جاء مفاد بعض الروايات ، إنما خلد أهل النار في النار لنيتهم العصيان الأبدي لو خلدوا في
الدنيا ، لاحظ ما رواه الشيخ الصدوق ( رحمه الله ) في العلل عن أبيه عن سعد ، عن القاسم بن محمد ، عن
سليمان بن داوود الشاذكوني عن أحمد بن يوسف ، عن أبي هاشم قال : سألت أبا عبد الله ( عليه السلام )
عن الخلود في الجنة والنار ، فقال : إنما خلد أهل النار في النار لأن نياتهم كانت في الدنيا لو
خلدوا فيها أن يعصوا الله أبدا ، وإنما خلد أهل الجنة في الجنة لأن نياتهم كانت في الدنيا لو بقوا
أن يطيعوا الله أبدا ما بقوا ، فالنيات تخلد هؤلاء وهؤلاء ، ثم تلى قوله تعالى : * ( قل كل يعمل على
شاكلته ) * قال : على نيته . علل الشرائع : ج 2 ص 523 ب 299 ح 1 وعنه بحار الأنوار : ج 8 ص
347 ح 5 .
وعلى ضوء هذه الرواية والله العالم أن أهل النار إنما خلدوا لنيتهم الكفر الأبدي ، فعذابه
الأبدي ليس زائدا على مدة كفره بل مؤاخذ عليه ، إذ عقد قلبه على الكفر بالله تعالى لو بقي
مخلدا في الحياة ، فيكون عذابه الأبدي في الآخرة على أمر فعله في الدنيا .