وطريق الأنساع . وحسن أن يقول عليه الصلاة والسلام : إنني
آخذ بحجزكم عن النار ، ومراده عن الأعمال المؤدية إلى دخول النار ،
لان السبب للشئ جار مجرى نفس الشئ . ومما يبين أن المراد ذلك
إنهم لم يكونوا في حال سماعهم لهذا الخطاب متهافتين في النار وإنما
كانوا في الأعمال التي يستحقون بها عذاب النار . ومما يشبه هذا الخبر
ما روى من قوله عليه الصلاة والسلام : " يخرج من النار قوم
بعد ما امتحشوا ( 1 ) وصاروا حمما ( 2 ) وفحما " ، فمعنى هذا الكلام
عندنا أنه يخرج من استحقاق النار بالتوبة قوم هذه صفتهم ، وهذا
على طريق المجاز ، أي أنهم بأعمالهم المؤدية إلى دخول النار كمن أحرق
بضرمها وصار من حممها ، ومعنى امتحشوا : أحرقوا ، المرجئة ( 3 )
يحملون هذا الخبر على ظاهره ولا يفزعون إلى تأويله .
ومعنى هلموا عن النار : أي ارجعوا إلى طاعة الله سبحانه التي
هي الأمان من العذاب ، وجانبوا معاصيه التي هي الطريق إلى العقاب
ومعنى تغلبونني تقاحمون فيها أي أنني مع كثرة الزجر لكم والاعذار
إليكم تنفلتون وتنازعون إلى المقبحات كما يتهافت الفراش في الشهاب ،
هامش
( 1 ) أي احترقوا .
( 2 ) يقال حمت الجمرة صارت حممة بوزن همزة ، أي اتقدت واحمرت ، والحمم
جمع حممة ، والمعنى صاروا جمرا متقدا وقوله وفحما : أي تفحموا بعد احتراقهم
أي اسودوا .
( 3 ) المرجئة ، جماعة من المسلمين لا يحكمون على أحد بأنه من أهل النار
بل يرجئون أمر العصاة إلى مشيئة الله إن شاء عذبهم وإن شاء لم يعذبهم .